جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

لم يعد تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى مجرد رهان تقني أو لوجستي، بل أصبح مناسبة كاشفة للعمق الثقافي والحضاري للشعوب. ويأتي تنظيم المغرب لبطولة كأس إفريقيا للأمم ليؤكد هذا البعد، حيث تحولت الملاعب المغربية إلى فضاءات حية للتلاقي الحضاري، تجسده الجمالية والاحتفالية التي تميز تشجيع الجماهير الإفريقية.
فمن مدرجات الملاعب، برزت مشاهد فرجوية لافتة، امتزجت فيها الألوان الزاهية، والأزياء التقليدية، والإيقاعات الإفريقية، في تعبير جماعي عن الانتماء والفرح المشترك. ولم يكن التشجيع مجرد رد فعل على مجريات المباريات، بل ممارسة ثقافية قائمة بذاتها، تستلهم طقوس الاحتفال الشعبي والذاكرة الجماعية للقارة.
وتُظهر هذه المشاهد كيف تتحول الرياضة، خلال كأس إفريقيا، إلى لغة تواصل عابرة للحدود، حيث تتقاطع الجماهير الإفريقية في فضاء واحد، دون أن تكون اللغة أو الاختلافات الثقافية عائقًا أمام التفاعل. فالإيقاع، والحركة، والتصفيق، والرقص الجماعي، كلها عناصر تُنتج خطابًا بصريًا مشتركًا، يجعل من المدرجات مساحة للحوار غير اللفظي.
كما تعكس الاحتفالية الإفريقية في التشجيع تصورًا خاصًا للمنافسة الرياضية، يقوم على الاحتفاء بالذات دون إقصاء الآخر. فقد أبانت الجماهير، في أكثر من مناسبة، عن قدرة لافتة على الجمع بين الحماس والانضباط، وبين التشجيع القوي واحترام الخصم، في مشاهد تُجسِّد روحًا إفريقية ترى في الرياضة مجالًا للفرح الجماعي لا للصراع.
ويُسهم هذا النموذج من التشجيع في إعادة الاعتبار للملعب كفضاء اجتماعي جامع، حيث تحضر العائلات، والنساء، والأطفال، في أجواء احتفالية تُقارب الفرجة الثقافية أكثر مما تُحاكي التوتر. وهو ما يعزز صورة المغرب، خلال احتضانه للبطولة، كفضاء للتعايش والانفتاح، قادر على استيعاب تنوع الجماهير الإفريقية في إطار من التنظيم والأمن والاحتفاء بالاختلاف.

ورغم تسجيل بعض السلوكات المعزولة التي لا تعكس الطابع العام للجماهير الإفريقية، فإن الصورة الغالبة تظل إيجابية، وتؤكد أن التشجيع الإفريقي يشكل رأسمالًا ثقافيًا ينبغي تثمينه، باعتباره أحد مظاهر القوة الناعمة للقارة، وعنصرًا أساسيًا في بناء علاقات إنسانية تتجاوز منطق المنافسة الرياضية.
وبذلك، تكشف كأس إفريقيا بالمغرب أن الرياضة، حين تُمارَس بروح جمالية واحتفالية، قادرة على لعب دور حضاري حقيقي، وتحويل الملاعب إلى جسور للتواصل بين الشعوب، حيث يصبح التشجيع تعبيرًا عن هوية منفتحة، وإفريقيا تحتفل بذاتها، أمام نفسها والعالم.
