جريدة ارض بلادي -شيماء الهوصي-

مع افتتاح السنة القضائية الجديدة بمحكمة الاستئناف بمراكش، لم تكن الأرقام المعروضة مجرد معطيات تقنية باردة، بل حملت في طياتها دلالات عميقة حول مسار العدالة ووتيرة اشتغالها داخل واحدة من أكبر الدوائر القضائية بالمملكة.
الحديث عن البت في أزيد من 380 ألف قضية، بنسبة معالجة قاربت 100 في المائة، لا يمكن فصله عن الجهود اليومية التي تبذلها مكونات الجهاز القضائي لتقليص آجال التقاضي والحد من تراكم الملفات. كما أن تجاوز نسبة “المحكوم من المسجل” عتبة 113 في المائة يعكس توجهاً عملياً نحو تصفية المتراكم وليس فقط مواكبة الوافد الجديد من القضايا.
وفي ما يتعلق بقضايا المال العام، فإن النسب المسجلة، سواء على مستوى الجنايات الاستئنافية أو الابتدائية، تطرح مؤشراً إيجابياً حول جدية التعاطي مع هذا النوع من الملفات، التي تحظى بحساسية خاصة لدى الرأي العام. كما أن وتيرة البت في قضايا غسل الأموال خلال سنة 2025 توحي بوجود إرادة واضحة لمواجهة هذا الصنف من الجرائم بصرامة وفعالية.

غير أن هذه الحصيلة، رغم أهميتها، تفتح النقاش حول مدى استدامة هذا الأداء المرتفع، ومدى انعكاسه الفعلي على إحساس المتقاضين بجودة العدالة وسرعة الفصل في النزاعات. فالأرقام، مهما كانت إيجابية، تظل بحاجة إلى مواكبة بإصلاحات هيكلية مستمرة، في مقدمتها تحديث الإدارة القضائية وتوسيع الاعتماد على الرقمنة.
إن الرسالة التي تحملها حصيلة محكمة الاستئناف بمراكش مع بداية سنة قضائية جديدة، تتجاوز حدود الإنجاز الظرفي، لتؤكد أن إصلاح العدالة ليس خياراً عابراً، بل مساراً يتطلب نفساً طويلاً واستثماراً دائماً في العنصر البشري والوسائل الحديثة، بما يعزز ثقة المواطن في القضاء ويكرس مبدأ العدالة الناجعة.
