جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

لا شك أن تدبير الموارد المالية للجماعات الترابية يشكل أحد المرتكزات الجوهرية لمنظومة الحكامة الترابية بالمغرب، حيث إن الجبايات المحلية تمثل الرافعة الأساسية لتمويل السياسات العمومية ذات الطابع المحلي، كما أنها أداة تنظيمية لضبط التوسع العمراني وتوجيه الاستعمال العقلاني للعقار داخل المجالات الحضرية… ومن ثم فإن أي خلل في تطبيق المقتضيات الجبائية أو أي انحراف في تأويل النصوص القانونية ينعكس بصورة مباشرة على التوازن المالي للجماعات وعلى مبدأ العدالة الضريبية بين الملزمين. وفي هذا السياق جاءت الدورية التي وجهها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم، داعياً من خلالها إلى التطبيق السليم لمقتضيات القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، خصوصاً ما يرتبط بالرسم المفروض على الأراضي الحضرية غير المبنية.
ومن المؤكد أن هذه الدورية لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد توجيه إداري تقني، إذ إنها تعكس توجهاً مؤسساتياً واضحاً يروم إعادة ترتيب الممارسة الجبائية المحلية وتصحيح الاختلالات التي ظهرت خلال السنوات الماضية في تنزيل المقتضيات القانونية المتعلقة بالرسوم العقارية الترابية… حيث إن عدداً من الجماعات الترابية اتجه إلى تطبيق هذا الرسم في مجالات ترابية لا يشملها النص القانوني، أو اعتمد مستويات مرتفعة من الرسوم دون مراعاة المعايير الموضوعية المرتبطة بمستوى التجهيزات والخدمات العمومية.
وفي هذا الإطار، أوضحت الدورية أن بعض الجماعات الترابية وقعت في خلط قانوني واضح حين عمدت إلى فرض الرسم على أراضٍ مشمولة بما يسمى “تصميم النمو”، في حين أن المقتضيات القانونية، وبالاستناد إلى المادة 39 من القانون المنظم للجبايات المحلية، تحصر تطبيق هذا الرسم في الأراضي الواقعة داخل المدارات الحضرية المحددة قانوناً، أو داخل المراكز المعينة بنص تنظيمي، إضافة إلى المجالات التي تشمل المحطات الصيفية والشتوية ومحطات الاستشفاء بالمياه المعدنية.
ومن ثم فإن هذا التوضيح يحمل أهمية قانونية كبيرة، لأنه يعيد ضبط المجال الترابي لتطبيق الرسم ويضع حداً للتوسع غير المنضبط في فرضه… حيث إن فرض رسم جبائي خارج المجال القانوني المحدد له يخلق حالة من الالتباس التشريعي ويؤدي إلى تزايد المنازعات الجبائية بين الإدارة والملزمين.
علاوة على ذلك، تطرقت الدورية إلى مسألة تحديد الأسعار المطبقة على الأراضي الحضرية غير المبنية، وهي مسألة أثارت في السابق الكثير من النقاشات داخل المجالس الجماعية وبين الفاعلين العقاريين… إذ إن عدداً من المجالس الجماعية لجأ إلى اعتماد الحد الأقصى للرسوم بشكل شبه تلقائي، دون إجراء تقييم موضوعي لمستوى التجهيزات المتوفرة في المناطق المعنية.
ومن الثابت أن هذا التوجه يتعارض مع مبدأ العدالة الجبائية، لأن فرض نفس المستوى من الرسوم على مناطق تختلف في مستوى بنيتها التحتية وخدماتها العمومية يشكل إخلالاً واضحاً بمبدأ التناسب بين الضريبة والواقع العمراني… لذلك دعت وزارة الداخلية إلى اعتماد مقاربة تدريجية في تحديد الرسوم وفق مستوى التجهيزات المتوفرة.
وقد حددت الدورية نطاقات مالية واضحة لهذا الرسم، حيث يتراوح بين 15 درهماً و30 درهماً للمتر المربع في المناطق المجهزة كلياً، أي تلك التي تتوفر على الطرق المعبدة وشبكات الماء الصالح للشرب وشبكات الكهرباء والإنارة العمومية، إضافة إلى المرافق الصحية والتعليمية والخدمات الأساسية التي تجعل هذه المناطق قابلة للبناء والاستثمار العمراني.
أما المناطق متوسطة التجهيز فقد حددت الرسوم المفروضة عليها بين 5 دراهم و15 درهماً للمتر المربع، وهي مناطق تتوفر على جزء من التجهيزات الأساسية لكنها لا تزال تعاني نقصاً في بعض المرافق أو البنيات التحتية.
وفي المقابل، حددت الدورية الرسوم المفروضة على المناطق ضعيفة التجهيز في نطاق يتراوح بين 0.50 درهم و2 درهم للمتر المربع، وهي المناطق التي تفتقر إلى البنيات التحتية الأساسية ولا تتوفر فيها شروط العمران الكامل.
ولا شك أن هذا التدرج في تحديد الرسوم يعكس توجهاً نحو ترسيخ مبدأ الإنصاف الضريبي داخل المجال الترابي… إذ إن الحكامة الجبائية تقوم أساساً على ملاءمة العبء الجبائي مع مستوى الخدمات العمومية المتوفرة، وعلى تحقيق توازن بين قدرة الملزمين على الأداء وبين متطلبات تمويل الميزانيات المحلية.
إضافة إلى ذلك، دعت الدورية إلى تبسيط المساطر الإدارية المرتبطة بطلبات الإعفاء من الرسم أو التخفيف من مبالغه، خصوصاً بالنسبة للأراضي المخصصة للاستغلال المهني أو الفلاحي، أو تلك التي تواجه صعوبات تقنية في الربط بالشبكات الأساسية للماء والكهرباء والصرف الصحي… وهي حالات تفرض معالجة إدارية مرنة تأخذ بعين الاعتبار طبيعة استعمال العقار والظروف الواقعية التي تحيط به.
ومن المؤكد أن تبسيط الإجراءات الإدارية يمثل أحد الأعمدة الرئيسية للحكامة الجيدة، لأن تعقيد المساطر يؤدي في كثير من الأحيان إلى إبطاء معالجة الملفات وإلى تزايد الاحتكاك بين الإدارة والمرتفقين… لذلك فإن تسريع البت في طلبات الإعفاء أو التخفيف يشكل خطوة مهمة نحو تحسين جودة الخدمات الإدارية وتعزيز الثقة في المؤسسات العمومية.
كما منحت الدورية صلاحيات موسعة للولاة والعمال من أجل البت في طلبات الإبراء أو التخفيف من الزيادات والذعائر المرتبطة بالرسم على الأراضي غير المبنية… وهو تفويض إداري يعكس توجهاً نحو تعزيز اللاتمركز الإداري وتمكين السلطات الترابية من التدخل السريع في معالجة الملفات ذات الطابع الجبائي.
وبموجب هذه الترتيبات التنظيمية، تم تفويض ولاة الجهات صلاحية البت في الطلبات التي تتجاوز قيمتها 50 ألف درهم، بينما أسند إلى عمال العمالات والأقاليم البت في الطلبات التي تساوي أو تقل عن هذا المبلغ… وهي آلية تنظيمية تهدف إلى تسريع اتخاذ القرار الإداري وتقليص آجال معالجة الملفات.
وفي سياق تعزيز التنسيق المؤسساتي، دعا وزير الداخلية الولاة والعمال إلى مواكبة رؤساء الجماعات الترابية في عملية تحديد مستوى تجهيز المناطق بشكل دقيق، وذلك بتنسيق مع المصالح اللاممركزة والهيئات التقنية المختصة والشركات الجهوية متعددة الخدمات… لأن تقييم مستوى التجهيز يشكل الأساس الذي يعتمد عليه في تحديد فئة الرسم المطبق على الأراضي غير المبنية.
ومن المؤكد أن غياب معايير دقيقة لتحديد مستوى التجهيز كان في كثير من الأحيان سبباً في ظهور اختلافات ملحوظة بين الجماعات الترابية في كيفية تطبيق الرسوم… وهو ما أدى إلى نوع من التفاوت في الممارسة الجبائية المحلية.
لذلك فإن اعتماد منهجية موحدة لتقييم البنيات التحتية والخدمات العمومية يمثل خطوة أساسية نحو توحيد المعايير وتعزيز الانسجام في تطبيق القوانين الجبائية… وهو الهدف الذي تسعى هذه الدورية إلى تحقيقه في إطار رؤية أوسع لإصلاح منظومة الجبايات الترابية.
وفي هذا السياق، أعلنت المديرية العامة للجماعات الترابية عن وضع قنوات تواصل إلكترونية رهن إشارة المصالح المحلية، قصد تقديم التوضيحات القانونية والتقنية الضرورية… وهي آلية حديثة تندرج ضمن جهود تحديث الإدارة الترابية وتعزيز التحول الرقمي في تدبير الشأن المحلي.
ومن دون ريب، فإن نجاح هذه المبادرة التنظيمية يظل مرتبطاً بمدى التزام مختلف الفاعلين الترابيين بتطبيق المقتضيات القانونية بدقة وصرامة… لأن الحكامة الجبائية لا تتحقق عبر النصوص القانونية وحدها، وإنما تتجسد في جودة التطبيق وفي نزاهة الممارسة الإدارية.
وبالتالي فإن هذه الدورية تمثل خطوة مهمة في مسار إصلاح منظومة الجبايات المحلية بالمغرب، مسار يقوم على توحيد المعايير القانونية، وتقوية آليات المراقبة الإدارية، وتعزيز مبادئ الشفافية والإنصاف في تدبير الموارد الترابية… وهي مبادئ تشكل الأساس الحقيقي للحكامة المالية المحلية.
إن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على تحصيل الرسوم أو تعبئة الموارد، وإنما يتجاوز ذلك نحو بناء منظومة جبائية ترابية متكاملة قوامها الانضباط القانوني، والنجاعة التدبيرية، والعدالة الضريبية… منظومة تجعل من الجباية أداة لتنمية المجال الترابي وتحقيق التوازن بين حقوق الجماعات وحقوق الملزمين، في إطار حكامة رشيدة قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والعمرانية التي يعرفها المغرب في المرحلة الراهنة.
