جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

لم تعد أصداء المشاركة المغربية في “سوق الفيلم الأوروبي” بالعاصمة الألمانية برلين محصورة في النطاق الفني والمهني، بل اتخذت أبعاداً سياسية رقابية وصلت إلى المؤسسة التشريعية. فقد فجرت لقطات مصورة انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي موجة غضب عارمة، بعدما أظهرت جانباً من الاحتفالات التي وُصفت بأنها “سهرات باذخة” أقيمت على هامش هذا الحدث السينمائي الدولي، مما استدعى تدخل نواب البرلمان للمطالبة بكشف الحقائق.
في هذا الصدد، وجه فريق برلماني سؤالاً كتابياً مباشراً إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل، يستفسر فيه عن خلفيات هذه الأنشطة ومدى شرعية إدراجها ضمن البرنامج الرسمي للوفد المغربي. وتأتي هذه الخطوة وسط تساؤلات ملحة حول مصادر تمويل تلك السهرات، وما إذا كانت قد سُددت فواتيرها من ميزانية الدولة المخصصة للنهوض بالقطاع الثقافي.
وما زاد من حدة الانتقادات هو التوقيت الذي تزامنت فيه هذه الوقائع مع ظروف مناخية صعبة شهدتها بعض أقاليم المملكة جراء الفيضانات، وهو ما اعتبره مراقبون “انفصالاً عن الواقع” وتحدياً لمبدأ ترتيب الأولويات في تدبير النفقات العمومية. وتشير التقارير المرتبطة بالمساءلة إلى أن ميزانية المشاركة المغربية في هذا المحفل السينمائي ناهزت سبعة ملايين درهم، وهو مبلغ ضخم أثار تساؤلات جوهرية حول مردوديته الفعلية على صناعة الفن السابع في المغرب.
وتتجه أصابع الاتهام والمطالب البرلمانية نحو ضرورة تقديم جرد دقيق للمصاريف، مع التحقق من صحة المقاطع المتداولة التي توثق لمظاهر احتفالية لا تخدم الأهداف الثقافية المسطرة. كما تضمن المقترح الرقابي دعوة صريحة لفتح تحقيق إداري ومالي شامل (افتحاص) للوقوف على كيفية صرف هذه الميزانيات والجهة التي رخصت بها، فضلاً عن تقييم النتائج الاقتصادية والفنية التي جنتها السينما الوطنية من هذا الحضور الدولي.
ويرى مهتمون بالشأن الثقافي أن الغاية الأساسية من المشاركة في تظاهرة بحجم “سوق الفيلم الأوروبي” يجب أن تتركز على جلب الاستثمارات الأجنبية، وتسويق المغرب كوجهة عالمية للتصوير، وبناء شراكات إنتاجية مثمرة، وليس الاكتفاء بمظاهر احتفالية تستنزف الخزينة دون أثر ملموس. هذا الجدل أعاد إلى الواجهة ملف “الحكامة” داخل المؤسسات السينمائية، وضرورة إرساء قواعد الشفافية في تدبير ميزانيات الترويج الثقافي الخارجي.
وبينما يدافع البعض عن هذه الفعاليات باعتبارها جزءاً من “الدبلوماسية الثقافية” اللازمة لجذب الانتباه في المحافل الدولية، يرى آخرون أنها انحرفت عن مسارها لتتحول إلى “سياحة سينمائية” مكلفة. ومع دخول المؤسسة التشريعية على خط الأزمة، باتت الكرة الآن في ملعب الوزارة الوصية لتقديم أجوبة شافية تضع حداً للغط القائم، وتوضح للرأي العام كيف تُدار أمواله في سبيل الفن.

