أثرٌ لا يمحوه الزمن: في وداع عائلة الدمسيري

جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

​ليست عائلة الدمسيري، ضحايا حريق “ليساسفة”، مجرد أسماءٍ نمرّ عليها في الأخبار، بل هي عائلةٌ عرفناها عن قُرب، وجيراناً في سكن الوالد القديم، تركوا فينا انطباعاً لا يمحوه الزمن عن نبل الأخلاق وطيب المعشر.
​لقد عرفنا جدتهم، تلك السيدة الطيبة التي ما جالسها المرء مرة إلا وخرج محملاً بدعوات الخير والكلمات الطيبة، فقد كانت امرأة تحمل في قلبها صفاءً ومحبة قلّ نظيرهما. وعرفنا والدهم، “سي بوشتى” -شفاه الله وعافاه-، جار المسجد الصغير بالحي، الرجل هادئ الطباع الذي لا تسمع منه إلا التحية الطيبة: “السلام عليكم”، مصحوبة بابتسامة خفيفة لا تفارق وجهه، فهو من طينة الناس الذين يتركون أثراً عميقاً دون ضجيج.
​وعرفنا الأم، الأخت ربيعة، تلك السيدة البشوشة، الجارة التي تجسد فينا معنى “حسن الجوار”؛ فعلى الرغم من انتقالي من الحي منذ نحو 12 عاماً، كنت كلما زرت بيت الوالدين وصادفتها، سواء أمام الفرن المقابل للبيت أو في الطريق، تبادرني بالسلام والسؤال الصادق عن الحال وعن صحة والدتي. هي تفاصيل بسيطة في ظاهرها، لكنها تختصر معدن الناس وأصلهم الطيب.
​اليوم، نسأل الله تعالى أن يربط على قلبها، وأن يمنحها صبراً بحجم هذا المصاب الجلل؛ فليس بالأمر الهين أن تفقد الأسرة بيتها، ثم يرحل الابن البكر، يليه شقيقاه في أيام معدودة، والزوج يصارع المرض وآثار الفاجعة.
​لقد عرفنا الراحلين يوسف وياسين حين كانا طفلين صغيرين؛ وأتذكر جيداً كيف كان يوسف يشاركنا خرجاتنا إلى غابة بوسكورة ضمن أنشطة “جمعية الجسر”، طفلاً بسيطاً يحمل براءة العمر وهدوء الملامح، ولم يخطر ببال أحد يوماً أن يُكتب له هذا الرحيل المفجع.
​إنها فاجعة موجعة بكل المقاييس، تذكّرنا بقسوة الفقد حين يطرق أبواب أناسٍ عرفنا فيهم الخير والستر، وحين يتحول الجار الذي تقاسمت معه تفاصيل الحياة اليومية إلى ذكرى لا تغادر القلب. رحم الله الضحايا رحمة واسعة، وأسكنهم فسيح جناته، وشفى “سي بوشتى” شفاءً لا يغادر سقماً، وألهم الأسرة المكلومة جميل الصبر والسلوان.
​”إنا لله وإنا إليه راجعون”.