إيمان الناضفي: حين تصبح الكتابة بيتًا آمنًا

جريدة أرض بلادي

لم تأتِ إيمان الناضفي إلى الكتابة طلبًا للأضواء، بل هربًا من الضجيج. كانت الكتابة بالنسبة لها مساحة هادئة، تشبه بيتًا داخليًا تلجأ إليه كلما ضاقت بها الأسئلة، وطريقًا للتصالح مع طفولة ظلت حاضرة في وجدانها، حتى حين صمتت.

 

وُلدت الروائية المغربية إيمان الناضفي سنة 2000 بمدينة سوق الأربعاء، وتنقّلت بين خنيفرة ومشرع بلقصيري خلال طفولتها ومراهقتها. هذه التحركات لم تغيّر الأماكن فقط، بل شكّلت حسّها الشعوري ووسّعت خيالها، فصارت المدن ذاكرة، والذاكرة مادة خام للسرد.

 

قبل أن تستقر في عالم الأدب، جرّبت إيمان مسارات متعددة. درست البيولوجيا بجامعة ابن طفيل، ثم انتقلت إلى الأدب الإنجليزي، وصولًا إلى تصميم الأزياء، حلمها الأول. لم يكن هذا التعدد ارتباكًا، بل بحثًا صادقًا عن الفن الذي يشبهها. وفي النهاية، وجدت في الكتابة المساحة الأوسع لاحتواء كل ما بداخلها.

 

تقول إيمان إن علاقتها بالقراءة والكتابة بدأت متأخرة، لكنها لا تراها خسارة. فالقصص كانت تعيش في خيالها منذ الطفولة، وحين حان الوقت، خرجت بهدوء إلى الورق. صارت الكتب ملجأها الأول، ومن خلالها تعلّمت الإصغاء، والتعاطف، ورؤية الحياة من زوايا مختلفة.

 

انطلقت تجربتها الإبداعية من الرسم، وتأثرت بعالم الأنيم والمانغا. رواية «لعنة أديمون» وُلدت في الأصل كمشروع مانغا، لكن عمق الفكرة واتساع الشخصيات دفعها إلى اختيار الرواية. ورغم ذلك، ما تزال تكتب بعين الرسّامة، ترى شخصياتها أولًا، ثم تمنحها الكلمات.

 

تنوّعت عوالمها بين الفانتازيا والمستقبل والأسطورة، من «لعنة أديمون» إلى «قنديشة»، ومن «لايثرس» إلى «خربوشة»، لكنها تلتقي كلها عند نقطة واحدة: الإنسان. “اللعنة” في نصوصها ليست عنصرًا خياليًا فقط، بل صورة للخوف، والهشاشة، والبحث عن التوازن. وتعترف بأن كل عمل كتبته كان انعكاسًا لحالة نفسية عاشتها، وأن أكثر النصوص صدقًا خرجت من لحظات ضعف.

 

لا تفصل إيمان بين ذاتها وشخصياتها. بعض ملامحها، جسدية ونفسية، تسللت إلى أبطالها، كنوع من المصالحة مع النفس. فالكتابة عندها ليست تحليلًا باردًا، بل فعل تحرر. تحرر من الصمت، ومن الألم، ومن الخوف. وقد بلغت هذه التجربة ذروتها في مشاهد كتبتها وهي تبكي، لأنها تؤمن أن الكاتب يترك جزءًا من روحه في كل نص.

 

وفي زمن يزداد فيه حضور الذكاء الاصطناعي في الإبداع، تختار إيمان موقفًا واضحًا: لا تعتمد عليه. ترى أن الكتابة إحساس قبل أن تكون تقنية، وأن المشاعر لا تُستنسخ. حين يتعب النص، تعود إلى المعجم العربي، أو تختار الصمت، إلى أن يعود الشغف من تلقاء نفسه.

 

للكتّاب الجدد، توجّه نصيحة بسيطة وصادقة: لا تمنحوا نصوصكم للجميع، اختاروا من يقرأ لكم بعناية. فالموهبة وحدها لا تكفي، والانضباط والنقد البنّاء هما الطريق. أما فكرة “التأخر”، فترفضها تمامًا، لأن العائق الحقيقي في نظرها هو الاستسلام.

 

في النهاية، لا تكتب إيمان الناضفي لتخلّد اسمها، بل لتبقى متماسكة. تكتب لتفهم نفسها، ولتحمي طفلتها الداخلية، ولتقول بهدوء: الكتابة ليست مجرد مهنة… إنها أسلوب حياة.