يقول المحامي والكاتب الإنجليزي الشهير فريدريك إدوين سميث: «العدالة لا تعني أن كل قضية تنتهي كما يرغب صاحبها فالعدالة الحقيقية تبدأ عندما يدرك الجميع أن للقانون كلمته الأخيرة، حتى عندما تكون تلك الكلمة ثقيلة على من ينتظر حكماً مختلفاً».
تتقدم شخصية الأستاذة لطيفة مبتسم في المشهد القضائي من منطقة تتجاوز مجرد التوصيف الوظيفي إلى ما يمكن تسميته الهندسة الدقيقة للسلوك القضائي ذلك المجال الذي تتقاطع فيه الملكة القانونية مع التجربة العملية، ويجاور فيه الحزم الاتزان، وتتفاعل فيه سلطة الاختصاص مع مقتضيات التواصل، ويصبح فيه القاضي بحكم موقعه جزءاً من منظومة بشرية ومؤسساتية شديدة التعقيد لا تكفي فيها معرفة النصوص ما لم تسندها فطنة في تدبير العلاقات، ورصانة في الخطاب، وتبصر في قراءة المواقف، وقدرة على إبقاء المسافة المهنية مضبوطة مهما ازدحمت الوقائع وتعددت الوجوه.
وتبدو الأستاذة لطيفة مبتسم في هذا السياق شخصية ذات مراس قضائي تتجاور فيه صلابة الموقف مع هدوء الأداء صرامة تستمد مشروعيتها من الاختصاص، وحزم تحكمه ضوابط الوظيفة، وحضور لا يحتاج إلى رفع النبرة حتى يفرض احترامه، وهي خصال تجعل وصفها بالمرأة الحديدية أقرب إلى توصيف للمتانة المهنية ورباطة الجأش منه إلى أي معنى آخر، لأن الصلابة داخل القضاء قيمتها في ضبط النفس قبل ضبط الآخرين، وفي امتلاك القدرة على الفصل بين الشخصي والمؤسساتي، وبين الانطباع والوقائع، وبين العاطفة ومقتضى القانون.
وتتضح بعض جذور هذه الشخصية منذ مرحلة التكوين القضائي، إذ ارتبط اسمها بالمعهد العالي للقضاء ضمن الفوج الرابع والعشرين من خلال بحث يحمل عنوان «مدى تأثير العقاب على سلوك السجين»، وهو عنوان يضع صاحبه أمام منطقة معرفية متشعبة تتقاطع فيها العدالة الجنائية مع علم الإجرام، وعلم الاجتماع، وفلسفة الجزاء، ودراسة السلوك الإنساني، وسياسات الإصلاح وإعادة الإدماج الأمر الذي يجعل موضوع البحث مدخلاً إلى فهم العقوبة باعتبارها ظاهرة قانونية ذات امتدادات اجتماعية ونفسية، لا مجرد إجراء زجري منفصل عن محيطه.
ثم ظهر اسمها سنة 2017 بصفتها النائبة الأولى لوكيل الملك في سياق مهني وتكويني، وهي مسؤولية تضع صاحبها في قلب منظومة دقيقة من الاختصاصات والمساطر والضمانات، حيث تتطلب الممارسة قدرة على تمحيص الوقائع، واستجلاء عناصرها، وإعمال التكييف القانوني السليم، واحترام الشرعية الإجرائية، والتعامل مع ملفات قد تتشابك فيها المصالح والاعتبارات الإنسانية والاجتماعية، مع بقاء القانون هو المرجع الناظم لكل قرار.
ومن هنا تبدأ الصورة الحقيقية للقضاء كما تُعاش داخل دهاليز المحكمة فهناك تتراجع العبارات الإنشائية إلى الخلف، وتظهر قيمة التفاصيل: طريقة استقبال المتقاضي، كيفية الإصغاء إلى محام، أسلوب توجيه موظف، تدبير نقاش مع زميل، ضبط جلسة متوترة، المحافظة على السر المهني، احترام الآجال، والانتباه إلى أدق الجزئيات التي قد يكون لها أثر إجرائي أو حقوقي بالغ.
المتقاضي في هذه المنظومة يحتاج إلى أكثر من مجرد سماع اسمه داخل قاعة الجلسة إنه يأتي غالباً محملاً بالقلق، وقد يدخل المحكمة وهو يحمل تصوراً مضطرباً عن العدالة أو المسطرة، ولذلك فإن التواصل القضائي الرشيد يقتضي معاملته باعتباره صاحب حق في الاحترام والفهم، مع الحفاظ الدقيق على الحدود التي يفرضها الحياد وعدم التدخل في جوهر الخصومة، فلا يصبح التوضيح توجيهاً، ولا تتحول الإنسانية إلى مجاملة، ولا ينقلب حسن الاستقبال إلى وعد لا يملكه القاضي.
وهنا تظهر إحدى أدق الملكات التي تحتاجها الشخصية القضائية: فن إدارة المسافة؛ الاقتراب بالقدر الذي يحفظ الكرامة، والابتعاد بالقدر الذي يصون الاستقلال، الإنصات دون اصطفاف، والتوضيح دون إرشاد أحد الأطراف إلى كيفية إدارة نزاعه، واحترام المشاعر دون السماح لها بالتأثير في التقدير القانوني.
أما الموظف القضائي فوجوده داخل المؤسسة يتجاوز الصورة الإدارية الضيقة فالموظف هو الذي يلاحق تفاصيل المسطرة، ويرتب الوثائق، ويضبط السجلات، ويحرر المحاضر، ويتابع المراسلات والتبليغات، ويواجه يومياً ضغط المرتفقين وتراكم الملفات، ولذلك فإن العلاقة المهنية المتزنة معه تقوم على وضوح التكليف، ودقة التوجيه، واحترام الاختصاص، وتقدير الجهد، والإنصاف في توزيع الأعباء، مع صيانة الانضباط الذي لا تستقيم بدونه الإدارة القضائية.
ومن هذا الباب تتبلور الحكامة في صورتها التشاركية إذ إن المحكمة مؤسسة متعددة الفاعلين، وكل حلقة فيها تؤثر في الحلقة الأخرى، ولذلك فإن تدبير الموارد البشرية، وتحسين التواصل الداخلي، وتبادل المعلومة، وتثمين الخبرة، وإشراك الكفاءات في معالجة الاختلالات المهنية، كلها عناصر تندرج في صميم الحكامة القضائية الحديثة، حيث تصبح النجاعة نتيجة لتناسق الأدوار لا مجرد سرعة في الإنجاز.
والمحامي بدوره يحتل موقعاً بالغ الحساسية داخل هذا النسق؛ فهو صاحب رسالة الدفاع، وواجهة من واجهات العدالة، وحامل مصالح المتقاضين وحججهم ودفوعهم، ومن ثم فإن العلاقة المهنية معه تحتاج إلى احترام متبادل يحفظ استقلال كل طرف، ويمنع تحول الاختلاف القانوني إلى توتر شخصي، ويجعل المناقشة القانونية مجالاً للتداول المهني لا للمغالبة، فالاختلاف بين القاضي والمحامي جزء من طبيعة العمل القضائي، أما تحويل الاختلاف إلى خصومة فذلك أمر آخر تماماً.
وفي هذا السياق تبدو قوة الشخصية القضائية في قدرتها على امتصاص الاحتكاك دون امتصاص الاختصاص أي أن يكون القاضي قادراً على الاستماع إلى الاعتراض، وفهم خلفيته، وإدارة النقاش بهدوء، ثم اتخاذ القرار الذي يراه القانون مناسباً دون أن يحمل معه أثر النقاش إلى ما بعده، وهذه خصلة تحتاج إلى نضج مهني عميق، لأن المحكمة فضاء تتعدد فيه الأصوات، بينما القرار القضائي يحتاج في النهاية إلى صوت قانوني واضح.
أما العلاقة مع الزملاء فتتأسس على رصيد آخر من القيم؛ التقدير، والزمالة، والتحفظ، وتبادل الخبرة، واحترام الاختلاف، وصيانة الثقة المهنية، لأن القاضي لا يعمل في جزيرة منعزلة، وإنما داخل منظومة تتطلب تنسيقاً وتعاوناً وتبادلاً للمعلومة والخبرة، ولا سيما في القضايا التي تتداخل فيها الجوانب القانونية والإجرائية والاجتماعية.
وهنا تجلت المقاربة الاجتماعية للحكامة القضائية؛ فالمحكمة مؤسسة قانونية، لكنها تتحرك داخل مجتمع والقضايا التي تصل إلى أبوابها كثيراً ما تكون انعكاساً لتحولات اجتماعية واقتصادية وأسرية ونفسية، ولذلك فإن القاضي يحتاج إلى وعي بالسياق دون أن يسمح للسياق بأن يزيح القانون عن موقعه، وهي معادلة دقيقة بين الوعي الاجتماعي والتجرد القضائي.
ويُقرأ حضور الأستاذة لطيفة مبتسم ضمن هذه الثنائية؛ تكوين في مجال العقوبة والسجين، وممارسة داخل منظومة النيابة العامة وانفتاح على فضاءات التكوين والتعاون، بما يرسم شخصية مهنية لا تختزل في الوظيفة وحدها، وإنما تتصل كذلك بمفهوم استدامة الكفاءة القضائية، حيث يظل التكوين، وتحديث المعرفة، وتبادل الخبرات، والاحتكاك بالمجال الأكاديمي عناصر مساندة للممارسة.
الحكامة في هذا المستوى تصبح أكثر من مفهوم إداري إنها سلوك مؤسساتي يبدأ من طريقة تدبير المسؤولية، ويمتد إلى جودة التواصل، وحسن توزيع الاختصاصات وضبط المساطر ،وتثمين الموارد البشرية، وتكريس أخلاقيات المهنة، وحماية استقلال القرار، وتحقيق النجاعة دون التفريط في الضمانات.
ولهذا فإن «المرأة الحديدية» داخل المحكمة لا تعني امرأة ترفع جداراً بينها وبين محيطها، وإنما قاضية تعرف كيف تجعل الصرامة إطاراً للعمل، واللياقة أسلوباً للتعامل، والتحفظ حصانةً للمهنة والاستقلال قاعدةً للقرار والتواصل جسراً بين المؤسسة ومحيطها، بحيث تظل السلطة القضائية قوية دون أن تتحول إلى سلطة منفّرة، وتظل العلاقات الإنسانية حاضرة دون أن تتسلل إلى مجال التأثير في القرار.
وفي دهاليز المحكمة حيث تُقاس الشخصيات بما tفعله أكثر مما تقوله تتضح قيمة هذه المعادلة المتقاضي يريد من يسمعه دون أن يجاريه، والمحامي يريد من يناقش حجته دون أن يصادر دوره والموظف يريد من يقدّر عمله دون أن يعفيه من مسؤوليته، والزميل يريد علاقة تحفظ المقام دون أن تلغي الاختلاف والقاضي نفسه يحتاج إلى أن يبقى فوق هذه التوازنات جميعاً، حاضراً فيها من حيث التدبير ومتحصناً عنها من حيث القرار.
وتلك هي الحكامة القضائية حين تغادر الكتب والمراسيم والمصطلحات إلى الحياة اليومية للمحكمة؛ أن تتحول السلطة إلى مسؤولية، والاختصاص إلى أمانة، والتواصل إلى ثقة، والصرامة إلى انضباط، والخبرة إلى خدمة للمؤسسة، والإنسانية إلى سلوك لا يزاحم القانون وإنما يمنحه وجهه الأكثر اتزاناً.
وفي المحصلة فإن الأستاذة لطيفة مبتسم تقدم من خلال ما يظهر من مسارها وتكوينها وممارستها صورة لقاضية تتأسس قوتها المهنية على مزيج من الملكة القانونية، والمراس، والاتزان، والحزم، والوعي بالعلاقات، واحترام المحيط القضائي؛ وهي تركيبة تجعل الحكامة القضائية أمراً يُمارس في التفاصيل قبل أن يُكتب في التقارير لأن أقصر طريق إلى هيبة القضاء يمر أحياناً من أبسط الأشياء: طريقة مخاطبة إنسان يقف أمامك وهو يظن أن المحكمة لا تسمع إلا لغة القانون فإذا بها تسمعه أيضاً بلغة الكرامة.
