جريدة ارض بلادي -هيئة التحرير-

أعادت الفيضانات التي شهدتها عدد من المناطق خلال الفترة الأخيرة طرح أسئلة ملحّة حول دور السياسيين وحدود مسؤوليتهم في تدبير المخاطر الطبيعية، خاصة في ظل الخسائر المادية التي خلفتها والمعاناة اليومية التي وجدتها الساكنة نفسها في مواجهتها، وسط اختلالات واضحة على مستوى البنيات التحتية والتخطيط المجالي.
ويرى متتبعون للشأن العام أن التفاعل السياسي مع هذه الكوارث يظل، في الغالب، محكومًا بمنطق التدخل بعد وقوع الأزمة، من خلال زيارات ميدانية وتصريحات إعلامية، دون أن يُترجم ذلك إلى سياسات عمومية استباقية قادرة على الحد من آثار الفيضانات، خصوصًا في المناطق التي تُصنَّف ضمن المجالات الهشة والمعرضة بشكل متكرر لهذه المخاطر.
وتُبرز هذه الوقائع، بحسب فاعلين مدنيين وخبراء في البيئة والتخطيط، ضعف إدماج معطيات التغيرات المناخية في برامج التهيئة الحضرية والقروية، إلى جانب استمرار التوسع العمراني غير المنظم في مجاري الأودية والمناطق المنخفضة، في ظل غياب مراقبة صارمة وربط فعلي للمسؤولية بالمحاسبة.
كما تكشف الفيضانات عن إشكالات مرتبطة بتنسيق التدخلات بين مختلف المتدخلين، من جماعات ترابية وقطاعات حكومية، حيث يُسجَّل في عدد من الحالات بطء في الاستجابة أو محدودية في نجاعة التدخلات، ما يزيد من حدة الأضرار ويُعمّق منسوب فقدان الثقة لدى المواطنين.
وفي المقابل، تتعالى الأصوات الداعية إلى ضرورة إعادة تعريف دور المنتخب، ليس فقط كفاعل يتدخل في لحظة الأزمة، بل كمسؤول سياسي مطالب باعتماد رؤية شمولية تقوم على الوقاية والتخطيط الاستراتيجي، وتفعيل آليات الإنذار المبكر، وإشراك الساكنة في جهود التحسيس والتأقلم مع المخاطر الطبيعية.
ويؤكد متتبعون أن تكرار الفيضانات لم يعد حدثًا استثنائيًا، بل أصبح مؤشرًا واضحًا على اختلالات بنيوية في تدبير المجال والسياسات العمومية، ما يستدعي مراجعة عميقة للأولويات، وربط التنمية المحلية بمبادئ الاستدامة والعدالة المجالية.
وبينما تتجدد الفيضانات وتتكرر معها الخسائر، يبقى الرهان الأساسي هو مدى قدرة الخطاب السياسي على التحول من مجرد مواقف وتصريحات إلى فعل مؤسساتي ملموس، يضع حماية المواطن والبيئة في صلب السياسات العمومية، ويعيد الاعتبار للثقة في العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة.
