جريدة ارض بلادي -هيئة التحرير

لم يعد الحديث عن تدهور القدرة الشرائية في المغرب مجرد ترف فكري أو مناكفة سياسية، بل استحال وجعاً يومياً يئن تحت وطأته ملايين المغاربة. إن ما نعيشه اليوم في ظل حكومة عزيز أخنوش هو مفارقة صارخة بين خطاب سياسي يتبجح بـ “الدولة الاجتماعية” كشعار براق، وبين واقع اقتصادي مرير يمارس “تفقيراً ممنهجاً” ضد الأسر، محولاً الطبقة المتوسطة إلى ذكريات، والطبقات الهشة إلى فئات تقاوم من أجل البقاء البيولوجي لا غير.
إن ملامح هذا التفقير لم تعد تحتاج إلى خبراء اقتصاد لفك رموزها، بل يكفي جولة سريعة في الأسواق الشعبية لندرك حجم الكارثة. لقد ضرب الغلاء في مقتل “الأمن الغذائي” للبسطاء؛ فالسردين الذي ظل لعقود “دجاج الفقراء” وصمام أمان لموائدهم، تمرد على ثمنه التاريخي (7 دراهم) ليحلق بعيداً عن متناولهم، حيث قفز في سابقة خطيرة إلى 20 درهماً، بل وصل في بعض الأحيان والمناطق إلى 40 درهماً للكيلوغرام الواحد. فهل يعقل في بلد يمتلك واجهتين بحريتين أن يصبح السردين حلماً بعيد المنال لمن كان يقتاته قسراً لعدم قدرته على شراء اللحوم؟
هذا الانهيار في القدرة الشرائية لم يتوقف عند السمك، بل طال “عصب الحياة” للمطبخ المغربي. فالثالوث الأساسي (البصل، الطماطم، والبطاطس) شهد زيادات جنونية أربكت حسابات ربات البيوت، وانضمت إليها القطنيات كالعدس واللوبيا وزيت المائدة، وصولاً إلى البيض. لقد تحول “الطاجين المغربي” من رمز للتماسك الأسري إلى عبء مالي ثقيل يستنزف الدخل اليومي، في ظل تغول واضح للمضاربين وجشع الوسطاء، يقابله عجز حكومي مطبق عن ضبط الأسواق أو كبح جماح التضخم.
ورغم محاولات الحكومة تلميع صورتها عبر برامج “الدعم الاجتماعي المباشر”، إلا أن هذه المبادرات تظل مثل “ذر الرماد في العيون”؛ فما تمنحه الحكومة باليمين كتعويض، يمتصه الغلاء بالشمال أضعافاً مضاعفة. إن سياسة “تحرير الأسعار” التي تنهجها الحكومة، دون توفير آليات حماية حقيقية، وضعت الأسر وجهاً لوجه أمام وحش الرأسمالية المتوحشة، مما كرس شعوراً عاماً بالانعزال والخذلان لدى المواطن الذي لم يجد في وعود “تستاهل أحسن” إلا واقعاً “أسوأ”.
إن الدولة الاجتماعية الحقيقية لا تبنى بالأرقام الجافة والتقارير التقنية التي تُتلى في الندوات المكيفة، بل تُبنى بضمان كرامة الأسر وحماية سلة غذائها من التلاعب. إن استمرار هذا النهج في تفقير الفئات الحيوية هو مقامرة بالسلم المعيشي، وعلى الحكومة أن تدرك أن الصبر له حدود، وأن “القفة” هي المقياس الحقيقي لأي نجاح سياسي، وما دون ذلك فهو مجرد سراب لا يسمن ولا يغني من جوع.
