ديموغرافيا وتنمية: تحولات بني ملال خنيفرة تضع السياسات العمومية على محك الفوارق المجالية

جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

في مبادرة تسعى إلى ربط القرار التنموي بالبحث الأكاديمي الرصين، وفي سياق التفاعل مع المؤشرات الرسمية الأخيرة، شهدت رحاب الجامعة ندوة علمية رفيعة المستوى ناقشت باستفاضة واقع وآفاق البرامج التنموية بالمنطقة في ظل المتغيرات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية المتسارعة، وتزامن هذا اللقاء الأكاديمي مع الكشف عن مضامين التقرير الجهوي الأحدث المستند مباشرة إلى نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى.

وتكمن أهمية هذا اللقاء في كونه يواكب النقاش العمومي الراهن حول المتغيرات الهيكلية التي تشهدها المنطقة، وما تفرضه من تحديات ومقاربات متجددة على مستويات التخطيط الترابي وصناعة القرار التنموي، متجاوزاً القراءة الرقمية الجافة إلى تحليل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للمؤشرات، حيث ركزت الكلمات الافتتاحية للمسؤولين على أن المعطيات الإحصائية للأبحاث الميدانية الأخيرة تشكل قاعدة مرجعية أساسية لتوجيه البرامج الحكومية والجهوية ورسم معالم التنمية المستدامة، مع التأكيد على أن التخطيط لم يعد مجرد تدبير تقني للمجال، بل أضحى رهاناً استراتيجياً يستوجب إدماج البعد الديموغرافي لضمان نجاعة السياسات العمومية.

وقد تناولت جلسات الندوة بالتفصيل والتحليل الانتقال التدريجي نحو واقع مجالي جديد تتشابك فيه تحولات البنية الأسرية، الهشاشة الاجتماعية، تحديات الشيخوخة، والفوارق بين الأقاليم، إلى جانب معضلات سوق الشغل، والتعليم، والسكن، والعدالة الاجتماعية، حيث جرى تسليط الضوء أولاً على التحولات الديموغرافية بالجهة، والتي تمثلت في رصد تراجع معدلات الخصوبة، وتغير أنماط الزواج، وبداية الشيخوخة السكانية، تلاها نقاش موسع حول التناقض بين نمو حضري ضعيف وتراجع قروي، مما يكشف عن محدودية البرامج الاقتصادية في تحقيق توازن مجالي خلال العقد الأخير، لاسيما في مجالات التشغيل وإدماج النساء القرويات وتحسين الخدمات الأساسية.

كما أثار الباحثون موضوع الفجوة بين النصوص القانونية والواقع العملي لتنزيل السياسات العمومية، خاصة في ظل الأزمات الدولية والرهانات الجيوسياسية المؤثرة على القرار الوطني، مما يستدعي صياغة سياسات مرنة قادرة على التوفيق بين الإكراهات الخارجية والحاجيات المحلية، وفي ذات السياق، قدمت قراءة سوسيولوجية في خريطة الفقر متعدد الأبعاد بالجهة، أظهرت تطور مؤشرات الهشاشة، ومؤكدة على الأثر الإيجابي لسياسات الاستهداف المجالي رغم استمرار التفاوتات الحادة بين الجماعات والأقاليم.

ولم ينفصل شق السكن والتعليم عن هذا التشخيص، حيث تدارس المجتمعون تحولات بنية الأسر وظروف السكن، مع رصد تراجع متوسط حجم الأسرة وتحسن الولوج إلى الخدمات الأساسية كـالكهرباء والماء والتطهير، مقابل استمرار الفجوة بين المدن والأرياف، كما عُرضت الجهود المبذولة لمحاربة السكن غير اللائق بمختلف تجلياته، كالسكن الصفيحي والمهدد بالانهيار، ودور هذه البرامج في تعزيز التماسك الاجتماعي وتحسين جاذبية الحواضر ومواكبة ورش الجهوية المتقدمة، واختتمت الأوراق العلمية ببحث رصين حول تحديات العدالة التعليمية بالجهة، قدم تحليلاً لمحددات النجاح والاستمرار الدراسي للشباب بين 15 و29 سنة، مبرزاً أثر الوضع السوسيواقتصادي للأسرة ومستوى تعليم ربها في استمرار معضلة الهدر المدرسي والأمية.

وبالعودة إلى لغة الأرقام الرسمية التي أفرزها الإحصاء الأخير، فإن جهة بني ملال خنيفرة دخلت بالفعل مرحلة ديموغرافية جديدة تعيد رسم ملامحها الاجتماعية والاقتصادية، ويتجلى ذلك في تباطؤ ملحوظ للنمو السكاني السنوي الذي لم يتجاوز نسبة 0.02\% خلال العقد الأخير، مع انخفاض متوسط حجم الأسرة إلى 4.1 أفراد، مقابل قفزة في مؤشرات الشيخوخة الديموغرافية حيث ارتفعت نسبة الساكنة البالغة 60 سنة فما فوق من 10\% إلى 15.2\%.

وعلى مستوى الجبهة الاجتماعية، حققت المنطقة مكتسبات هامة لكنها تظل محفوفة باختلالات بنيوية؛ ففي قطاع التعليم، انخفض معدل الأمية العام من 39.1\% إلى 32\%، غير أن هذا التحسن يخفي تفاوتات حادة حسب الجنس والمجال، إذ تصل الأمية بين النساء إلى 40.9\% جهوياً، وترتفع لتلامس 56.6\% لدى أرباب الأسر في العالم القروي، في حين سجلت نسبة تمدرس الأطفال بين 6 و11 سنة استقراراً إيجابياً عند 96.2\%.

أما المشهد الاقتصادي فقد عرف تراجعاً مقلقاً في معدل النشاط من 43.7\% إلى 37.3\%، مع استمرار الهشاشة في تشغيل النساء، حيث لا تتعدى نسبة نشاطهن المستويات العامة بـ 11.2\%، بل إنها تهاوت بشكل أكبر لدى المرأة القروية لتنخفض من 10.4\% إلى 6.1\% خلال العقد الأخير، مما يعكس صعوبة ولوج الشباب لسوق الشغل وهيمنة القطاع غير المهيكل والعمل الذاتي والهش.

وفيما يخص البنيات التحتية وظروف العيش، تظهر البيانات طفرة نوعية في خدمات الربط بالشبكات الأساسية على المستوى الجهوي؛ حيث بلغت نسبة التزويد بالكهرباء 95.8\%، والماء الصالح للشرب 82.6\%، وقنوات التطهير السائل 54\%. لكن التدقيق في هذه المكتسبات يكشف عن شرخ واضخ بين المجالين الحضري والقروي؛ إذ يستفيد 96.6\% من سكان المدن من الماء الشروب مقابل 65.5\% فقط في القرى، وتتسع الفجوة أكثر في قطاع الصرف الصحي الذي تصل نسبة الربط به في الحواضر إلى 92.1\% مقارنة بنسبة ضئيلة جداً لا تتعدى 7.6\% في الأرياف.

ورغم أن مؤشرات الفقر متعدد الأبعاد سجلت تراجعاً مشجعاً بـ 7.5 نقاط مئوية، لاسيما في المناطق القروية، إلا أن المعطيات تؤكد أن الفقر بالجهة يظل ظاهرة قروية بامتياز، وهو ما يضع فعالية سياسات الاستهداف الترابي على المحك، ويفرض تساؤلات جدية حول سبل تحقيق العدالة المجالية.

وفي الختام، شكلت هذه الندوة محطة أكاديمية ومؤسساتية بارزة لتعميق النقاش العمومي حول آفاق التنمية الجهوية، وخلص المشاركون إلى أن مواجهة هذه التحديات المتداخلة تقتضي ملاءمة حقيقية ومستعجلة للسياسات العمومية مع الاحتياجات المتجددة للساكنة، بناءً على المؤشرات الواقعية والتحولات الديموغرافية والاجتماعية التي كشف عنها الإحصاء، بما يضمن صياغة نموذج تنموي جهوي أكثر توازناً، واستدامة، وقدرة على تحقيق التماسك الاجتماعي والعدالة بين المدن والقرى.