جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

من 1975 إلى وقف إطلاق النار سنة 1991، خاض أبناء هذا الوطن معارك الشرف والكرامة دفاعاً عن صحرائه المغربية. 16 سنة من الصمود، من الحر والبرد، من الرمال والألغام، سطر فيها الجندي المغربي ملحمة لا تمحى.
قدموا أرواحهم فداءً لثوابت الأمة، وتركوا وراءهم أمانة: أسراً وبيوتاً وأرامل وأيتاماً.
اليوم، وبعد عقود من تلك التضحيات، آن الأوان أن نحول “الذكرى” إلى “حق”، وأن نحول “التقدير” من كلمات إلى قوانين.
وهناك مطلبان أساسيان لا يقبلان التأجيل تكريساً لثقافة الاعتراف:
المطلب الأول: إنصاف أرامل الشهداء… قبل فوات الأوان
أغلب أرامل شهداء الوحدة الترابية يعشن اليوم “أرذل العمر”. أجساد نحلها الزمن والتعب، وأمراض مزمنة تنخرها: السكري، الضغط، أمراض القلب ، الاعصاب، والمفاصل.
ومع ذلك، فإن المعاش الذي تتقاضاه أغلبهن لا يرقى إلى الحد الأدنى للعيش الكريم.
فكيف لأرملة تجاوزت السبعين، تعاني وحدتها ومرضها، أن تواجه تكاليف الدواء والعلاج بمعاش هزيل؟
هؤلاء النسوة لم يخترن الترمل. فرضته عليهن رصاصة غادرة أو لغم في الصحراء. لقد قدمن للوطن أغلى ما يملكن: الزوج، السند، الأب.
أقل ما يمكن أن نقدمه لهن اليوم هو معاش يليق بمقام الشهيد، وتغطية صحية شاملة ومجانية، ورعاية اجتماعية تحفظ كرامتهن.
فإكرام الشهيد يكون بإكرام ذوي حقوقه.
المطلب الثاني: استمرارية المعاش للأيتام… وفاءً للدم الذي سال
المفارقة الموجعة الثانية: بمجرد وفاة الأرملة، يتوقف المعاش. ينقطع.
وكأن تضحية الشهيد تنتهي بوفاة زوجته.
لكن الحقيقة أن الأبناء لا يزالون هنا. وأغلبهم اليوم شباب وشابات يعانون البطالة المزمنة، والهشاشة، وصعوبة الإدماج.
هم أبناء من دفعوا حياتهم ثمناً لسيادة الوطن، ومع ذلك يجدون أنفسهم بعد وفاة الأم بلا أي سند مادي أو قانوني.
أليس من الإنصاف أن يتحول معاش الشهيد إلى حق مكتسب للأبناء إلى حين توفرهم على شغل قار؟
أليس من الوفاء أن نضمن لليتيم تعليماً وتكويناً وأولوية في مباريات التوظيف ومؤسسات القطاع الخاص؟
إن قطع المعاش بوفاة الأرملة هو قطع لآخر صلة مادية بين الدولة وتضحية الأب.
خاتمة: الاعتراف دين في أعناقنا
الوطن لا ينسى أبناءه. والشهداء هم العنوان الأسمى للسيادة.
ولكن الاعتراف الحقيقي لا يكون بالخطابات في المناسبات فقط، بل يكون بقانون، بميزانية، بسياسة عمومية واضحة.
إننا نطالب اليوم بمطلبين لا تراجع عنهما:
1. الرفع الفوري لمعاش أرامل شهداء الوحدة الترابية إلى مستوى الكرامة، مع ضمان تغطية صحية شاملة لهن.
2. سن قانون يضمن استمرارية المعاش وتحويله للأيتام ذكوراً وإناثاً إلى حين بلوغهم سن الشغل ” وقد تجاوزه للأسف ” ، أو توفرهم على دخل قار.
هذا ليس امتيازاً ولا صدقة. هذا دين. دين في أعناقنا جميعاً لمن سقوا رمال الصحراء بدمائهم حتى تبقى مغربية.
رحم الله الشهداء، وحفظ الله الوطن، ورد الاعتبار لمن بقي من أهله
بقلم العيرج راشيد ابن شهيد حرب الصحراء المغربية
