جريدة ارض بلادي -هيئة التحرير-

تتسلل إلى بيئتنا اليوم آفة صامتة لا ترى بالأعين المجردة ولا تدركها حاسة السمع البشرية، لكنها تعبث بقسوة في خريطة الحياة البرية وتؤدي بصمت رهيب إلى تراجع أعداد الطيور والعصافير وتغير سلوكياتها الفطرية. وفي الوقت الذي تتوجه فيه الأنظار دائماً نحو الأسباب المألوفة لانقراض الطيور—كالتوسع العمراني، والصيد الجائر، وموجات الجفاف، والمبيدات الزراعية—يغيب عن الكثيرين الخطر الأجسد والأحدث: التلوث الكهرومغناطيسي والذبذبات الاصطناعية العالية.
الموجات القاتلة: تشويش على بوصلة الخليقة
تعود جذور هذه المعضلة البيئية المستجدة إلى الانتشار الكثيف لشبكات الاتصالات المتطورة، وأبراج الهواتف المحمولة، ومحطات البث اللاسلكي التي تغطي مختلف مناطق ومدن المغرب. تصدر هذه البنى التحتية تردداً وحقولاً كهرومغناطيسية تتداخل بشكل مباشر مع “الحاسة المغناطيسية” الدقيقة التي تخلق بها الطيور وتعتمد عليها كبوصلة أساسية لتحديد مسارات هجرتها السنوية بين القارات.
هذا التشويش لا يقتصر على تشتيت الاتجاهات فحسب، بل يمتد ليخلق حالة من التوتر العصبي المستمر لدى العصافير؛ فالذبذبات الاصطناعية غير المسموعة تسبب لها قلقاً مزمناً يعطل دورة حياتها اليومية، ويؤثر على قدرتها في البحث عن الغذاء، فضلاً عن إرباك طقوس التزاوج والعناية بالفراخ، مما دفع بالعديد من الأنواع لهجر مواطنها الأصلية بحثاً عن ملاذات آمنة تكاد تنعدم في عالمنا الرقمي المتسارع.
بين المختبر والميدان: ضرورة تشخيص الخلل
إن التقاطع الفريد بين العلوم التقنية والعمل الصحفي الميداني يكشف لنا يوماً بعد يوم أن تجاهل “الملوثات الخفية” يكلفنا غيابات فادحة في التنوع البيئي. فالطبيعة في جهات المغرب المختلفة—ولا سيما المناطق ذات النظم البيئية الحساسة—باتت تواجه ضغطاً مضاعفاً يجمع بين قسوة المناخ وعبث التكنولوجيا غير المضبوطة بيئياً.
ولأن حماية التوازن الإيكولوجي لم تعد تحتمل مزيداً من التباطؤ، فإن الأمر يتطلب مقاربة وطنية عاجلة تقوم على ركائز أساسية:
دراسات ميدانية دقيقة: قياس مستويات الإشعاع الكهرومغناطيسي في المحميات الطبيعية ومسارات الهجرة لتحديد حجم الضرر الفعلي.
ضوابط هندسية صارمة: إلزام شركات الاتصالات باعتماد معايير بيئية دقيقة عند اختيار مواقع الأبراج، وإبعادها عن الموائل الحيوية للطيور.
توعية إعلامية جادة: كسر حاجز الصمت حول هذا الخطر الخفي عبر تحقيقات ومقالات صحفية جريئة تقرع جرس الإنذار أمام الجهات الوصية والمهتمين بالشان البيئي.
إن أسراب العصافير التي كانت تملأ الفضاءات بأغاريدها لم تعد تواجه خطر الصيد فحسب، بل تحارب من أجل البقاء في وجه طيف تكنولوجي صامت يهدد بتحويل سمواتنا إلى صحراء صوتية قاحلة. فهل تتحرك الأقلام والتشريعات قبل أن يكتمل هذا الصمت الأبدي؟
