جريدة ارض بلادي -هيئة التحرير-

حين يشتد عود المكان بأبنائه، وتتحول الحاجة إلى مشروع، والهم إلى مبادرة، تولد جمعيات لا تبحث عن صداها بقدر ما تبحث عن أثرها. ومن بين ما أنجب إقليم الناظور من تجارب ميدانية صادقة، تبرز جمعية المحافظة على البيئة وتطوير المجتمع الأسري، جمعية جعلت من العمل التطوعي عقيدة، ومن القرب من الناس منهجا، ومن خدمة البيئة والمجتمع غاية لا تتجزأ.
ليست الجمعية مكتبا مفتوحا للاجتماعات، ولا بيانا يصدر ثم ينسى. هي حركة دائمة في القرى والدواوير والمؤسسات الاجتماعية، تذهب حيث يقل الضجيج وتكثر الحاجة، وتشتغل حيث يكون الصمت أبلغ من الخطاب.
وقد أثمرت، والثمار لا تكذب.
أما في الصحة، فقد كانت قوافلها الطبية متعددة التخصصات جسر عبور بين المواطن والعلاج. في جماعة إكسان وقفت القافلة فاستقبلها مئات من أهل الدوار. فحص للعيون وللقلب، دواء يوزع بيد لا تمن، ونظارة تعيد للشيخ قراءة وجه حفيده. لم يكن ذلك إحسانا عابرا، بل اعترافا بأن الكرامة تبدأ بجسد معافى، وبأن القرب من الإنسان هو أول خطوات التنمية.
وأما في البنية التحتية القروية، فقد اختارت الجمعية أن تمهد للإنسان طريقه. في بقوية وفي ابدوران أصلحت مسالك وأعادت للطرق اعتبارها، فصار الوصول إلى المدرسة ممكنا، وإلى الطبيب متاحا، وإلى السوق قريبا. فالطريق ليست حجارة وترابا، الطريق صلة، والطريق أمان، والطريق عودة للحياة إلى أماكن كادت تعزلها الجغرافيا.
وأما في البيئة والتجميل الحضري، فقد ذهبت الجمعية إلى ما هو مشترك فجملته. حملات نظافة، تشجير، غرس للورود، تهيئة لفضاءات المؤسسات العامة. ولم تستثن حتى السجن المحلي بالناظور، لأنها تؤمن أن الجمال حق للجميع، وأن العناية بالمكان رسالة تربوية تقول للمحكوم عليه إن المجتمع لم يغلق بابه كله.
وخلف هذا المشروع كله يقف ابن من أبناء الأرض، يعرف تفاصيلها ويحمل وجعها. محمد شروت، ابن بقوية جماعة إكسان، رئيس الجمعية. رجل لم تغره الأضواء، ولم تشغله المناصب عن الأصل. قيادته قيادة ميدان، يمشي في الدواوير قبل أن يتكلم عنها، ويضع يده على الجرح قبل أن يصفه.
وما يمنح هذه التجربة قيمتها أنها جمعت بين شقي المعادلة. الإنسان والبيئة. فهمت أن الأسرة لا تستقيم إلا في محيط نظيف، وأن الصحة لا تكتمل إلا ببنية تصل إليها، وأن النفس لا ترتقي إلا بجمال يحيط بها. فاشتغلت على الثلاثة معا، لا تفضل واحدا على الآخر.
إن جمعية المحافظة على البيئة وتطوير المجتمع الأسري تقدم درسا بليغا في معنى العمل الأهلي. درس يقول إن التغيير لا يبدأ من الأعلى، بل من حيث يسكن الناس. وإن العطاء الحقي هو الذي يترك أثرا يراه الطفل في طريقه إلى المدرسة، ويراه المريض في قافلة طبية، ويراه العابر في شجرة غرست، وفي زهرة نبتت.
تحية لهذه الجمعية، وتحية لكل يد تطوعت ولكل قلب احتسب. وتحية خاصة لمحمد شروت ولفريق عمله، الذين أثبتوا أن ابن القرية إذا صدق مع قريته صار مشروعا بحجم إقليم.
لقد أعطت الجمعية فأثمرت، وما أحوجنا إلى أمثالها. مؤسسات لا ترفع الصوت، بل ترفع الإنسان.
