جريدة ارض بلادي -هيئة التحرير

كليميم — أسدل الستار ببلادنا على امتحانات البكالوريا لدورة يونيو 2026، وهي المحطة الوازنة التي استنفرت الأسر والأطر التربوية على حد سواء. وخلال مواكبة ميدانية دؤوبة قامت بها عدسة جريدة “أرض بلادي” طيلة ثلاثة أيام بالجماعة الترابية كليميم، رصدنا تفاصيل وتجليات لافتة تستحق الوقوف عندها بالقراءة والتحليل، خصوصاً ما يتعلق بالجانب النفسي للمترشحين، وسلوكياتهم التواصلية مع وسائل الإعلام، وصولاً إلى المعطى الأكثر إثارة للقلق: الواقع اللغوي للمترشحين.
بين تفاؤل “نون النسوة” وتحفظ الذكور: مفارقات المشهد الميداني
أظهرت المعاينة الميدانية تفوقاً لافتاً في الجاهزية النفسية والتحضير المعرفي لدى فئة الإناث؛ إذ عبرت الكثير من التلميذات عن ثقة عالية ويقين بالنجاح المستحق، بابتسامات عريضة وبشاشة لم تفارق محياهن، حتى في صفوف أولئك اللواتي اشتكين من صعوبة بعض المواد وفوقيتها بالنسبة لطاقتهن.

في المقابل، سجلت الجريدة سلوكاً تواصلياً مغايراً لدى فئة الذكور؛ حيث تراوحت ردود أفعالهم بين:
العزوف التام: والهروب من مواجهة عدسات الصحافة ونقل انطباعاتهم.
التصريحات الجماعية: التي يطغى عليها الشغب اللفظي والضجيج، مما أفقد الكثير من التصاريح جديتها وقيمتها المرجوة كشهادات حية تعكس واقع الامتحان.
ناقوس خطر: غياب تام للفصحى السليمة
إن الملاحظة الأكثر صدمة وعمقاً، والتي استوقفت طاقم الجريدة طيلة أيام الامتحان، تجلت في عجز لغوي واضح: إذ لم نسجل تصريحاً واحداً بلغة عربية فصيحة تُحترم فيها القواعد النحوية والتركيبية بأصولها.

أمام هذا الواقع، يطرح السؤال الاستنكاري نفسه وبقوة: من أين جاء هذا الخلل البنيوي؟ هل تحولت حجرات الدرس في مؤسساتنا التعليمية إلى فضاءات تُلَقّن فيها المواد بالدارجة المغربية عوض لغة التدريس الرسمية؟ هل تساهل أساتذة اللغة العربية مع اللحن والركاكة حتى استمرأت ألسن الطلاب العامية في محافل رسمية وأمام وسائل الإعلام؟
ملاحظة تستدعي التأمل: إن عجز تلميذ أشرف على مغادرة أسوار التعليم الثانوي التأهيلي عن صياغة جملة مفيدة واحدة بلغة ضادٍ سليمة، ليس مجرد هفوة عابرة، بل هو مؤشر على تراجع المكتسبات اللغوية الأساسية، وفجوة واضحة في التلقي التربوي.

رسالة تنبيه إلى هيئة التدريس والمنظومة التربوية
إننا من منطلق غيرة صحفية ومواطِنة، نتوجه بهذا المقال كـ “نداء تنبيه” إلى كافة الأطر التربوية وهيئة التدريس ببلادنا، وإلى مدبري الشأن التعليمي:
1. إعادة الاعتبار للهوية اللغوية: إن الأستاذ ليس ملقناً للمضامين فحسب، بل هو الحارس الأول لسلامة اللغة داخل الفصل. إن التساهل في الشرح بالدارجة داخل حصص اللغة العربية والعلوم الإنسانية يُفقد التلميذ ملكة التعبير السليم.
2. ربط المعرفة بالتواصل: يجب ألا يقتصر هاجس المنظومة على “شحن” التلميذ بالمعلومات لاجتياز الامتحان، بل بتدريبه على آليات التواصل والتعبير الشفهي الواثق والفصيح.
3. تكامل الأدوار: إن المسؤولية مشتركة، وتبدأ من السلك الابتدائي وصولاً إلى الثانوي، لضمان تخرج جيل قادر على تمثيل نفسه ووطنه لغوياً وفكرياً في وسائل الإعلام والمحافل الوطنية والدولية.

إن البكالوريا هي بوابة الجامعة، والجامعة فضاء للبحث والخطاب العلمي الرصين. فكيف لشبابنا أن يلجوا هذا الأفق وألسنتهم عاجزة عن ضبط قواعد مبتدأ وخبر؟ هي صيحة فزع تربوية، نأمل أن تلقى آذاناً صاغية لدى الساهرين على مستقبل ناشئتنا.
