جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

تتأرجح المقاربة الحديثة التي اعتمدتها بلادنا مؤخراً في التعامل مع ظاهرة الكلاب الضالة بين الإشادة ببعدها الإنساني والبيئي، وبين الحيرة المحيطة بجدواها وغاياتها النهائية على المدى البعيد. إنها خطوة غير مسبوقة محلياً، ربما استُنسخت تفاصيلها من تجارب دولية لتفادي “القتل المتعمد” لمخلوقات تشكل جزءاً من التوازن البيئي، وتجسيداً لقيم الرفق بالحيوان كأحد مظاهر التحضر الحديث.
لكن، ورغم نبل الخلفية الإنسانية للمشروع، يرى مراقبون أن “الدبلجة القانونية” والتدبيرية الإجرائية لهذا الورش لم تكتمل بعد كمشروع متكامل الأركان، مما يجعله يندرج اليوم في خانة “المشاريع المحيرة”.
المفارقة التدبيرية: التجميع والتلقيح.. ثم ماذا؟
المشروع في مرحلته الأولى يبدو منظماً؛ حيث يتم تجميع الكلاب الضالة، تلقيحها ضد السعار، وتعقيمها للحد من تكاثرها، مع التفكير في آليات لتوفير معيشتها بطريقة آمنة وصحية. ولكن السؤال الجوهري والملح الذي يفرض نفسه في نهاية المطاف: ماذا بعد هذه المرحلة؟
إذا كانت الأنعام والمواشي تُربى ويُعتنى بها للإنتفاع بلحمها، أو حليبها، أو صوفها، فإن منظومة التعامل مع الكلاب الضالة لا تقع ضمن هذه الخانة النفعية المباشرة. وهنا تكمن حيرة المشرع والمدبر المحلي؛ ما هي الخاتمة الحقيقية لهذا القانون المدرج حديثاً؟
علامات الاستفهام المطروحة:
الاستدامة المالية واللوجيستية: كم ستستغرق هذه الرعاية؟ وما هي التكلفة المادية لإيواء وتغذية آلاف الكلاب على المدى الطويل في محاجر أو مراكز مخصصة؟
الهدف النهائي للمشروع: هل الغرض هو خلق “محميات دائمية” للكلاب حتى تفنى طبيعياً؟ أم أن هناك أبعاداً أخرى لم تتبلور بعد في النص القانوني الحالي، مثل تشجيع التبني أو دمجها في مهام حراسة معينة؟
أمن المواطن: هل تضمن هذه المقاربة بشكل قطعي تحييد خطر الكلاب داخل النسيج الحضري والقروي، خاصة في ظل تزايد شكاوى المواطنين من الاعتداءات؟
الخلاصة
إن غياب “خاتمة واضحة” ومحددة الأهداف في ديباجة وتدبير هذا المشروع يجعله خطوة حضارية منقوصة. فبين فلسفة الرفق بالحيوان والإكراهات الواقعية للتدبير المحلي، يظل مشروع إيواء وتلقيح الكلاب الضالة في بلادنا معادلة محيرة تبحث عن حلقة مفقودة لتكتمل دورتها التشريعية والتنفيذية.
