جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

هناك أسئلة لا يطرحها التاريخ عبثاً، بل يطرحها ليختبر بها ضمائر الأحياء. ومن بين هذه الأسئلة المؤلمة: هل اطمأن الشهيد على أسرته حينما ودّع الوطن؟ وهل بقيت وصيته ووصية قائده محفوظتين في ذاكرة المسؤولين، أم ضاعت بين الملفات المؤجلة والوعود المؤجلة أكثر؟
لقد كان الملك الراحل الحسن الثاني، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، يدرك أن الجندي لا يحمل سلاحه دفاعاً عن الوطن فقط، بل يحمل معه هموم أسرته وأطفاله ومستقبلهم. ولذلك جاءت مقولته الخالدة التي ستظل شاهدة على مرحلة من أصدق مراحل الوفاء الوطني:
“على الجندي أن يذهب إلى الحرب وهو مطمئن على أسرته.”
لم تكن تلك الكلمات مجرد خطاب عابر أو عبارة للاستهلاك الإعلامي، بل كانت مبدأ أخلاقياً ووطنياً عظيماً يؤكد أن الوطن الذي يطلب من أبنائه التضحية بأرواحهم، مطالب أيضاً بحماية أسرهم وصيانة كرامتهم بعد رحيلهم.
لقد ذهب الجنود المغاربة إلى الصحراء المغربية وهم في ريعان الشباب. عانقوا رمالها، وافترشوا أرضها، والتحفوا سماءها، وواجهوا الرصاص والموت بقلوب مؤمنة وشجاعة نادرة. تركوا خلفهم أمهات ينتظرن، وزوجات يدعون الله كل ليلة، وأطفالاً يحلمون بعودة آبائهم. وكان شعارهم الخالد: الله، الوطن، الملك.
سقط منهم شهداء ارتقت أرواحهم في ساحات الشرف، وكتبوا بدمائهم صفحات من المجد الوطني لا يمكن لأي منصف أن ينكرها أو يتجاوزها. لكن السؤال الذي لا يزال يطرق أبواب الضمير الوطني هو: هل تم الوفاء الكامل لتلك التضحيات؟ وهل تمت صيانة الوصية التي تركها الشهيد وهو يودع أهله ووطنه؟
إن تكريم أرامل الشهداء ليس منّة من أحد، وليس صدقة يتفضل بها أحد على أحد، بل هو واجب أخلاقي ووطني وإنساني. فهؤلاء النسوة لم يفقدن أزواجهن في حادث عابر أو ظرف شخصي، بل فقدن رجالاً اختاروا أن يقدموا أرواحهم دفاعاً عن الوطن ووحدته وسيادته.
إن الأمم العظيمة لا تُقاس فقط بما تشيده من طرق وجسور ومشاريع، بل تُقاس أيضاً بمدى وفائها لمن ضحوا من أجل بقائها واستقرارها. وحين تشعر أسرة الشهيد بالكرامة والرعاية والاهتمام، فإن الوطن يكون قد أوفى بجزء من دينه تجاه أبنائه الأوفياء.
أما حين يطول الانتظار، وتتسع هوة المعاناة، وتتراكم المطالب الاجتماعية والإنسانية دون حلول منصفة، فإن السؤال يعود بقوة أكبر: أين هي وصية الشهيد؟ وأين هي وصية الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله؟
إن الوفاء للشهداء لا يكون بالخطب وحدها، ولا بالشعارات وحدها، بل بالقرارات العادلة والسياسات المنصفة والرعاية المستمرة لأسرهم وأراملهم وأبنائهم. فالشهيد لم يساوم على الوطن حين كان الرصاص يتساقط من حوله، والوطن بدوره مطالب بأن لا يساوم على حقوق من تركهم الشهيد أمانة في أعناق الجميع.
رحم الله شهداء الوطن، وحفظ أسرهم، وجعل الوفاء لهم ثقافة دولة ومجتمع، لأن الأمم التي تكرم شهداءها تحفظ شرفها، والأوطان التي تنصف أسرهم تؤكد أن التضحية لم تكن يوماً طريقاً إلى النسيان، بل طريقاً إلى الخلود في ذاكرة الوطن وضمير التاريخ.
بقلم محمد لتري
متقاعد عسكري
محارب قديم
