جريدة أرض بلادي/ بقلم: حَبيل رشيد

مقدمة: نحو فلسفة جنائية متوازنة ومؤطرة تشريعياً.
يُشكّل جهاز النيابة العامة في النظام القضائي المغربي مؤسسة محورية تضطلع بوظيفة دستورية تتمثل في صيانة الحقوق والحريات وضمان حسن تطبيق القانون، كما يمثل أحد الأعمدة الأساسية في تحقيق الأمن القضائي وترسيخ الثقة في العدالة. وفي سياق التحولات التشريعية التي عرفتها المنظومة الجنائية، جاء مشروع قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23 ليُعيد بناء نطاق اختصاصات قضاة النيابة العامة، وفي مقدمتهم وكيل الملك والوكيل العام للملك، لا سيما من خلال المادتين 40 و49، حيث تم الانتقال من الدور التقليدي المرتبط بتحريك الدعوى العمومية وممارستها إلى دور إشرافي وتقريري موسّع، يهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات السياسة الجنائية في جانبها الزجري، وضمانات حماية الحقوق والحريات الفردية في بعدها الدستوري.
المحور الأول: مستجدات البحث والتحري وتعزيز الرقابة القضائية
1. عقلنة التعامل مع الوشايات مجهولة المصدر (المادتان 40 و49)
من بين أبرز المستجدات التي أتى بها مشروع القانون، إقرار إطار قانوني دقيق ومقيد للتعامل مع الوشايات مجهولة المصدر، حيث نصت المادة 40 والمادة 49 بشكل صريح على ضرورة امتناع النيابة العامة والشرطة القضائية عن مباشرة أي إجراء بحث أو تحرٍ إلا بعد التحقق من جدية الوشاية، وذلك استناداً إلى مؤشرات موضوعية وتحريات أولية كفيلة بإضفاء الحد الأدنى من المصداقية على المعطيات المتوصل بها. ويهدف هذا المقتضى إلى الحد من الشكايات الكيدية والبلاغات التعسفية، بما يضمن حماية الأفراد من المساس غير المشروع بسمعتهم أو حرياتهم، ويكرّس مبدأ الشرعية الإجرائية وربط المسؤولية بالمشروعية.
2. الخبرة التقنية والبصمة الجينية (تفعيل المادة 49)
في إطار تحديث وسائل الإثبات وتعزيز الطابع العلمي للبحث الجنائي، خوّل المشروع للوكيل العام للملك صلاحية إصدار أوامر بإجراء خبرات تقنية وبيولوجية، وعلى رأسها تحليل البصمة الجينية، متى توفرت قرائن قوية ومؤشرات جدية على ارتباط الشخص المشتبه فيه بالفعل الجرمي. ويُعد هذا التوجه تكريساً لمفهوم العدالة العلمية، التي تعتمد على وسائل إثبات دقيقة وموضوعية، مع التأكيد على ضرورة احترام الضوابط القانونية المرتبطة بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، خاصة ما يتعلق بإتلاف البيانات البيومترية فور انتهاء الغرض من استعمالها، انسجاماً مع قواعد حماية الحياة الخاصة.
المحور الثاني: تدابير بدائل الاعتقال وحماية الحريات
1. المراقبة القضائية: من قاضي التحقيق إلى النيابة العامة
أقر المشروع تحولاً نوعياً في تدبير الحرية الفردية، من خلال تمكين كل من وكيل الملك (المادة 40، الفقرة 11) والوكيل العام للملك (المادة 49، الفقرة 14) من صلاحية الأمر بالوضع تحت المراقبة القضائية، باعتباره بديلاً قانونياً عن الاعتقال الاحتياطي، وذلك وفق الشروط والإجراءات المنصوص عليها في المادة 161. ويُعد هذا المستجد آلية إجرائية متقدمة تروم تقليص اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي، وتكريس طابعه الاستثنائي، مع تمكين السلطة القضائية من تتبع الشخص المعني في حالة سراح مقيد، عبر فرض التزامات قانونية محددة تضمن حسن سير العدالة.
2. تأطير سحب الجوازات وإغلاق الحدود (المادة 108)
حافظ المشروع على صلاحية النيابة العامة في اتخاذ تدابير سحب جواز السفر وإغلاق الحدود في مواجهة الأشخاص المشتبه فيهم، غير أنه قام بتأطير هذه الصلاحيات ضمن آجال قانونية محددة، بما يضمن عدم استمرارها بشكل مفتوح أو غير محدد زمنياً. فبالنسبة للجنح المعاقب عليها بسنتين حبسا أو أكثر، يمكن اتخاذ هذا التدبير لمدة شهر قابلة للتمديد مرتين، في حين يمكن في الجنايات، وفق المادة 108، تمديد هذه التدابير لمدد مماثلة كلما اقتضت ضرورة البحث ذلك، وهو ما يحقق التوازن بين متطلبات البحث وضمان حرية التنقل.
المحور الثالث: العدالة الإجرائية وحقوق الأطراف
1. إشعار الضحايا والمشتكين (المادتان 40 و49)
في إطار تعزيز مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، ألزم المشروع النيابة العامة بإشعار الضحايا والمشتكين، وكذا دفاعهم، بمآل الشكايات المقدمة، سواء تعلق الأمر بقرار الحفظ أو المتابعة، وذلك داخل أجل أقصاه خمسة عشر يوماً من تاريخ اتخاذ القرار. كما أوجب على المحامين الإدلاء بوسائل التواصل المهنية، بما في ذلك العناوين وأرقام الهواتف، لتيسير عملية التبليغ، خاصة في صيغته الإلكترونية، وهو ما يُعد تجاوزاً للإكراهات التقليدية المرتبطة بالتبليغ الورقي.
2. التظلم من قرار الحفظ
كرّس المشروع آلية قانونية مهمة تتمثل في إقرار الحق في التظلم من قرارات الحفظ، حيث يمكن الطعن في قرارات وكيل الملك أمام الوكيل العام للملك، كما يمكن الطعن في قرارات هذا الأخير أمام الجهة المختصة برئاسة النيابة العامة. ويُعد هذا المقتضى تجسيداً لمبدأ الرقابة الداخلية داخل جهاز النيابة العامة، كما يعزز ضمانات المتقاضين في مواجهة القرارات ذات الطبيعة التقديرية.
المحور الرابع: النجاعة القضائية في حماية الحيازة والعقار
عزّزت المادة 40، في فقرتها الثانية، من صلاحيات وكيل الملك في مجال حماية الحيازة العقارية، حيث أصبح مخولاً بإصدار أوامر فورية تقضي بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه عند وقوع اعتداء مادي واضح على الحيازة، وذلك دون الحاجة إلى انتظار صدور حكم قضائي نهائي. ويكتسي هذا الإجراء طابعاً استعجالياً، ويُعد سنداً تنفيذياً قابلاً للتنفيذ الفوري، مع إمكانية عرضه لاحقاً على المحكمة المختصة للبث فيه تأييداً أو إلغاءً، مما يعزز الأمن القانوني والاستقرار الاجتماعي.
المحور الخامس: مكافحة الجريمة المالية وتطوير التخصص
1. البحث المالي الموازي (المادة 13)
في إطار تعزيز آليات مكافحة الجريمة الاقتصادية والمالية، منح المشروع لوكيل الملك صلاحية الأمر بإجراء بحث مالي موازٍ يهدف إلى تتبع الأموال والممتلكات الناتجة عن الجريمة، مع إمكانية اتخاذ تدابير تحفظية بشأنها، كالتجميد أو الحجز، وذلك تحت رقابة قضائية يمارسها رئيس المحكمة المختصة، مع إمكانية الطعن في هذه القرارات داخل أجل محدد. ويُعد هذا الإجراء أداة فعالة لضرب البنية الاقتصادية للجريمة المنظمة وتجفيف منابعها.
2. تجنيح القضايا البسيطة (المادة 49، الفقرة 15)
أجاز المشروع للوكيل العام للملك إمكانية إعادة تكييف بعض الأفعال التي تكتسي وصف الجناية، وإحالتها على أنها جنح، متى تبين أن خطورتها محدودة وأن الضرر الناتج عنها لا يرقى إلى مستوى الجناية. ويُعد هذا الإجراء من آليات عقلنة المتابعة الجنائية، وتخفيف العبء عن المحاكم الجنائية، مع التزام المحكمة بالوصف القانوني المعتمد من طرف النيابة العامة.
المحور السادس: عدالة الأحداث والتعاون القضائي
1. ملتمسات النيابة العامة لفائدة الأحداث
أفرد المشروع عناية خاصة بعدالة الأحداث، من خلال تمكين وكيل الملك من تقديم ملتمسات ترمي إلى تطبيق تدابير الحماية والتهذيب والإدماج، بدل اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية، وذلك انسجاماً مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الطفل، ومع المقاربة الإصلاحية التي تعتمدها السياسة الجنائية الحديثة.
2. الإنابة القضائية (المادتان 40 و49)
عمل المشروع على تطوير آلية الإنابة القضائية، من خلال توسيع نطاقها ليشمل تنفيذ إجراءات بحث محددة من طرف نيابة عامة أخرى داخل نطاق ترابي مختلف، مع مراعاة الاختصاصات النوعية للفرق الوطنية والجهوية للشرطة القضائية. ويهدف هذا التوسيع إلى تحقيق فعالية أكبر في الأبحاث الجنائية، خاصة في القضايا ذات الامتداد الجغرافي المتعدد.
خاتمة: آفاق الإصلاح وتحديات التنزيل
إن المستجدات التي أتى بها مشروع قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23 تعكس توجهاً تشريعياً واضحاً نحو تحديث العدالة الجنائية، من خلال توسيع صلاحيات النيابة العامة في مجالات متعددة، كالبحث العلمي، وتدبير الحرية، ومكافحة الجريمة المالية، مقابل إحاطتها بضمانات قانونية ورقابية متعددة المستويات. غير أن تحقيق الأهداف المرجوة من هذه الإصلاحات يظل رهيناً بحسن التنزيل العملي، وتوفير الموارد البشرية والتقنية اللازمة، وكذا ترسيخ ثقافة قانونية قائمة على احترام الحقوق والحريات، بما يضمن تحقيق الأمن القضائي في إطار دولة القانون.
