أبعاد العلاقة بين الإنسان والآلة في رواية “أمومة لم تكتمل” للروائي مصطفى لغتيري…محب الأدب

جريدة أرض بلادي- هيئة التحرير-

أصبح من البديهيات أن التطور التكنولوجي أشبه ما يكون بنهر متدفق يجلب الجديد بشكل متسارع ومتواصل. ولأن نتائجه لا تكاد تنحصر، سأستخدم مصطلح الآلة بدلالته الشاملة للتعبير عن الجزء المادي منها مع الحرص على ذكر بعض الأمثلة حسب السياق.
تعتبر الآلة، بكل أنواعها البسيطة والمعقدة، ثمرة من ثمرات ذكاء الإنسان وسعيه الحثيث للرقي بوجوده على وجه الأرض. فكل اختراع جديد يحققه يساعد على جعل حياته أكثر سهولة بتوفير جهده ووقته الثمين.
علاقة الإنسان بالآلة علاقة معقدة وجدلية ضاربة في عمق التاريخ. ويعتبر رسم صورتها الشاملة أمراً بعيد المنال، فهي تكتسب مع تراكم التطور العلمي والتقني سمات جديدة ومتغيرة حسب المكان والزمان.
بناءً على ما سبق، ما هي أبعاد العلاقة إنسان-آلة في رواية “أمومة لم تكتمل” للروائي مصطفى لغتيري؟
في رائعته “أمومة لم تكتمل”، استطاع الروائي المغربي المبدع مصطفى لغتيري رسم الملامح الأساسية للصورة التي سيكون عليها الوجود الإنساني (الصيني، الأمريكي، المغربي…) في عام 2098 م، محاولا الاستفادة من التراكم التكنولوجي الذي حققته الإنسانية إلى حدود الحاضر.
لا شك في أن الرواية قيد التحليل تستحق أن تحظى بدراسة نقدية متخصصة؛ خاصة وأنها تنتمي لصنف الخيال العلمي. ولكن هذا لا يمنع من تقديم قراءة متواضعة في متنها.
نظراً لتشعب العلاقة إنسان- آلة وتعدد تمظهراتها التي تستعصي على الجرد الشامل، سأكتفي بالتركيز على البعدين البراغماتي والنفسي فيها.

✅ البعد البراغماتي لعلاقة الإنسان بالآلة:

لعل هذا البعد هو الأكثر وضوحًا وواقعيةً. فإذا كانت “الحاجة أمّ الاختراع”، فإن المنفعة المنشودة هي أصل الحاجة إلى الابتكار الذي تعتبر الآلة من ثمراته المهمة.
وبالتالي، فإن الآلة، إذا افترضنا استخدامها بشكلٍ معقولٍ، فإنها تساعد الإنسان أو تنوب عنه بشكلٍ كليٍّ في أداء مهامه المختلفة.
البعد النفعيّ والمصلحيّ له صور كثيرة في المتن الروائي قيد الدراسة، وهي تتعدد بتعدد مجالات النشاط الإنساني، منها على سبيل المثال لا الحصر:

🟢النقل والمواصلات:
“رفعتْ ريمْ رأسها فرأتْ زوجها الإسبانيّ “رافائيل” قادماً في عربته مضحكة الشكلِ، تلك العربة التي اتخدت لها شكل سلحفاة زاهية الألوان…”. ص 7

🟢إعداد الطعام:
“…الروبوتاتُ منهمكةٌ على قدمٍ وساقٍ في إعداد مائدة الإفطارِ، الصحونُ تنتقلُ بشكلٍ آليٍّ، فيما كانتْ “ريمْ” تنظرُ بطرفٍ خفيٍّ إليها، لقد برمجتها سلفًا للقيام بهذا العملِ…”. ص 16

🟢التواصل:
“…انفتحتْ في الجدار المقابلِ لها شاشةٌ وهميةٌ، لم تكنْ ظاهرةً قبل انبِقاقها المفاجئِ، فاتحتها صورةُ أختها شيماءَ…”. ص 20

🟢الترفيه:
“قالوا أنهم يهيئون مركبا ترفيهيا”. ص 12
“تزيد المكان روعة تلك الفراشات الإلكترونية التي تنبثق من العدم وتحلق في الأجواء…”. ص 30

🟢الطب:
“لقد تم اختراع بنكرياس إلكترونية”. ص 26

أعتقد أن هذا القدر من الاقتباسات يكفي لنحت فكرة موجزة حول معالم البعد البراغماتي الذي نتحدث عنه.
بغض النظر عن ذلك، للآلة عواقب مختلفة على حياة الإنسان، منها ما هو حتمي يصعب التحكم فيه كالبطالة التي تنتج عن استبدال الإنسان بالآلة للقيام بعمل معين:
“في المدة الأخيرة ابتكر الصينيون طريقة مثيرة في استقبال زوار المعرض، كان المضيفون والمضيفات أناسًا آليين…”. ص 32
تكمن خطورة الآلة أيضًا في إمكانية توظيفها كأداة للتجسس على الأفراد وانتهاك خصوصياتهم:
“…إنه جاسوس يعيش بيننا [يقصد الروبوت]”. ص 70

✅ البعد النفسي لعلاقة الإنسان بالآلة:

أقصد بالبعد النفسي كلّ تمظهرات العاطفة والوجدان في العلاقة إنسان-آلة، والتي تتضح بشكل ساطع في العلاقة الغريبة للشخصية الرئيسية “ريم” مع الروبوت الذي أطلقت عليه اسم “صامد” بعدما اقتنته من المعرض رغبةً منها في اتخاذه وسيلةً لتحقيق غريزة الأمومة عن طريق التّبني.
والأكثر غرابةً في الأمر أنها تغمره بعاطفة جياشة لا تحدّ من تدفقها حتى السخرية اللاذعة التي تتعرض لها بشكل متكرّر:
” أرجوك سيدي لا تتلفظ بكلمة بضاعة.. هذا إبني “. ص 38

ومما يزيد الأمر هو حدةً أن الروبوت “صامد” أكّد لها منذ البداية أنه مجرد آلة صماء لا تصلح أن تكون موضوعًا للعاطفة الإنسانية:
“…يبدو أن هذا الأمر خاص بالبشر [يقصد التّبني]، ولا علاقة لنا نحن الآلات به..”. ص 34

يمكن للروبوت كآلة أن يكون مفيدًا بشكل براغماتي صرف، لكنّه سيظلّ غير قادر على تلبية الرّغبات النفسية للإنسان إلا على سبيل التّوهم السّاذج؛ لأنّه لا يستطيع إدراكها من الأساس.
يمكن توظيف دلالة العنوان لتأكيد هذا الطرح، فالأمومة غير المكتملة هي أمومة شكلية فشلت في إشباع الغريزة الفطرية المتمثّلة في الإنجاب والتربية.

لعلّ في اختيار الأديب مصطفى لغتيري لنهاية مفتوحة لروايته إشارة قوية إلى أنّ العلاقة بين الإنسان والآلة ستكتسب في المستقبل أبعادًا جديدةً تستعصي على التّوقع والاستشراف خاص مع اندلاع ثورة الذكاء الاصطناعي.

محب الأدب