جريدة ارض بلادي -هيئة التحرير

بينما تمتلئ التقارير الرسمية بعبارات التفاؤل حول “مرحلة التعافي” وتجاوز تداعيات جائحة كورونا، تكشف لغة الأرقام الصادرة في مطلع عام 2026 عن فجوة عميقة بين الخطاب الاقتصادي والواقع المعيشي للأسر المغربية؛ فالمؤشرات الأخيرة حول ثقة الأسر لا تترك مجالاً للشك بأن الأزمة لم تنتهِ بعد، بل أعادت تشكيل نفسها في صورة ضغوط معيشية صامتة ومستمرة.
على الورق، سجل مؤشر ثقة الأسر تحسناً طفيفاً ليصل إلى 46.6 نقطة خلال الربع الأول من السنة الجارية، مقارنة بـ 44.4 نقطة في الفترة السابقة، إلا أن هذا الارتفاع الطفيف يظل “خادعاً” من الناحية الهيكلية، كونه لا يزال بعيداً جداً عن المستويات التي كانت سائدة قبل عام 2020، مما يؤكد أن المجتمع المغربي لم يستعد توازنه النفسي والمالي المفقود منذ تفشي الوباء.
وتتجلى ملامح هذه الأزمة في اعتراف 75.6% من الأسر بتدهور مستوى معيشتهم خلال العام الماضي، في حين لا يرى ثلاثة أرباع المغاربة أي أفق للتحسن القريب، بل إن التشاؤم بات يتخذ طابعاً هيكلياً، حيث تتوقع 45.1% من الأسر استمرار تدهور أوضاعها في الشهور المقبلة. هذا القلق يمتد ليشمل سوق الشغل، إذ تسود نظرة سلبية لدى 58% من الأسر التي تترقب ارتفاعاً في معدلات البطالة، مما يعكس شعوراً بـ “الانسداد” رغم كل الوعود الرسمية بدينامية سوق العمل.
أما على الصعيد المالي، فإن هشاشة الأسر تظهر بوضوح في قدرتها الشرائية، حيث يرى 67% من المغاربة أن الوقت الحالي غير مناسب بتاتاً لاقتناء السلع المستدامة، في حين تكتفي 60% من الأسر بدخل يغطي نفقاتها الأساسية بصعوبة بالغة. والأخطر من ذلك، أن نحو 35.7% من الأسر وجدت نفسها مجبرة على استنزاف مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض لتأمين لقمة العيش، ما ينقل المعركة من “رفاهية الاستهلاك” إلى “صراع البقاء الميزانياتي”.
ولا يمكن الحديث عن هذا الوضع دون الإشارة إلى غلاء المعيشة، حيث أجمع 98.3% من المغاربة -في رقم شبه كلي- على استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وهو ما جعل التضخم واقعاً يومياً لا يمكن الالتفاف عليه، وأدى بالضرورة إلى انعدام القدرة على الادخار، إذ لا تتوقع سوى 12.1% من الأسر القدرة على توفير أي مبلغ للمستقبل.
إن هذه المؤشرات المجتمعة ترسم لوحة قاتمة لواقع اقتصادي ما زال يرزح تحت وطأة مخلفات أزمة كورونا، فالتغير لم يشمل جوهر الأزمة بل وجهها فقط؛ وبينما تتحدث الإحصائيات عن نمو طفيف، يتساءل المواطن المغربي: هل نحن أمام انتعاش حقيقي للاقتصاد، أم مجرد تحسينات رقمية لا تجد طريقها إلى قفف المواطنين وجيوبهم؟
