وجدة على محك التسول: صرخة كرامة في وجه الهشاشة الاجتماعية

جريدة ارض بلادي -هيئة التحرير-

​تخترق مدينة وجدة، بذاكرتها العريقة ونبضها اليومي، تساؤلات مؤلمة تفرضها ظاهرة التسول المتباينة بين جنبات الشوارع والساحات العمومية. ليست هذه الظاهرة مجرد مشهد عابر يُطالع المارة في تقاطعات الطرق والأماكن التجارية، بل هي مرآة عاكسة لأعماق أزمة اجتماعية واقتصادية مترامية الأطراف، تدفع بكتل بشرية نحو الشارع بحثاً عن رمق عيش يقيهم قسوة الاحتياج. هذا الواقع المعيشي المأزوم يعري جوانب عميقة من الهشاشة التي تستوجب وقفة تأمل مسؤولة بعيداً عن صخب الشبكات الاجتماعية وشاشات المواقع الإخبارية.

​إن الغوص في تفاصيل هذه الظاهرة يحتم علينا مقاربتها بمنظور إنساني واجتماعي متكامل، يتجاوز الأحكام السطحية. فالأمر هنا يتعلق بمركبات معقدة تتداخل فيها خيوط الفقر، والبطالة، والتشرد، وغياب سبل الولوج إلى الخدمات الأساسية. وتتضاعف حدة هذا الوجع حين نلمح أطفالاً أُقحموا في أتون هذا المشهد، وهو ما يبعث على قلق مشروع حول مدى سلامتهم وحمايتهم من أشكال الاستغلال، وحرمانهم من حقهم الأبدي في مقاعد الدراسة وأحضان الرعاية.

​من هنا، تتأتى الضرورة الملحة لتدخل مؤسساتي جاد ومستدام، يبتعد عن التدخلات الموسمية أو الظرفية الباهتة. إن المطلوب اليوم هو فرز دقيق للحالات الإنسانية التي تعاني من خصاص حقيقي، وتوجيهها نحو مؤسسات الرعاية والمواكبة الاجتماعية المؤهلة، بالتوازي مع إطلاق برامج حقيقية للإدماج المهني الكفيل بتحسين شروط العيش الكريم. ولا يسعنا في هذا السياق إلا الإقرار بالدور المحوري الذي يضطلع به المجتمع المدني في نشر ثقافة التضامن المنظم، وتوجيه الدعم صوب قنواته الموثوقة، مع الإلحاح على ضرورة صون كرامة المستضعفين وتجنيبهم وطأة الأحكام المسبقة.

​إن معالجة ملف التسول بوجدة تظل رهينة بتبني سياسة عمومية مندمجة، تزاوج بين البعد الإنساني، والوقاية الاجتماعية، والتطبيق الصارم والحازم للقانون، لاسيما حين يتعلق الأمر بانتهاك الطفولة واستغلالها. والرهان الأكبر الماثل أمام كافة المتدخلين يكمن في تجاوز حدود معالجة الأعراض الظاهرة في الشارع، نحو استئصال الأسباب الجذرية التي تغذي هذه الظاهرة، تكريساً لكرامة الإنسان وتأكيداً لعمق التضامن المجتمعي.