*افتتاحية*مؤسسة اقرأ بمدينة ابن أحمد… حين يُصاغ الوعي

جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

لا شك أن الأزمنة التي تتكاثر فيها الصور وتتزاحم فيها المعاني المبتورة تفرض سؤالاً ثقيلاً عن مصير العقل الإنساني وهو ينجرف في تيار السرعة والاختزال… حيث إن القراءة، بما هي فعل تأمل واستبطان، لم تعد تحتل الموقع الذي يليق بها داخل هذا المشهد المتحول، وغدت في نظر فئات واسعة ممارسة مؤجلة يزاحمها إيقاع يومي متسارع لا يمنح للمعنى فرصة الاكتمال ولا يفسح للفكرة مجالاً للنضج.

 

غير أن هذا التحول، على امتداد تأثيره، لم ينجح في إلغاء نماذج تصر على إعادة الاعتبار للحرف، وتؤمن بأن بناء الإنسان يبدأ من الكلمة، ويتشكل عبر التراكم، ويتقوى بالاستمرارية… ومن هذا المنطلق، تبرز مجموعة مدارس اقرأ الخاصة كتجربة تربوية ذات ملامح متميزة، استطاعت أن ترسخ لنفسها موقعاً خاصاً داخل المشهد التعليمي، من خلال مشروع واضح المعالم، قائم على جعل القراءة ركيزة مركزية في تشكيل الوعي.

 

في ابن أحمد، حيث تتداخل التحديات مع الإمكانات، تشكلت هذه التجربة منذ سنة 1995، في سياق لم يكن فيه الرهان على القراءة خياراً شائعاً، بل كان أقرب إلى المغامرة الفكرية… غير أن المؤسسة اختارت منذ البداية أن تراهن على الزمن الطويل، وأن تؤسس لنسق تعليمي يجعل من الكتاب محوراً، ومن الفعل القرائي ممارسة يومية، ومن المعرفة أفقاً مفتوحاً لا تحده المقررات ولا تضبطه الامتحانات.

 

ومن المؤكد أن اختيار اسم “اقرأ” لم يكن قراراً شكلياً، وإنما كان تعبيراً عن رؤية تربوية تستحضر عمق الدلالة، وتستثمر رمزيتها في بناء مشروع متكامل… حيث إن المؤسسة لم تنخرط في منطق التلقين التقليدي، بل عملت على تنمية الحس التحليلي، وتعزيز القدرة على الفهم، وتوسيع مدارك المتعلمين عبر الانخراط المستمر في القراءة باعتبارها أداة للفهم والإدراك.

 

وعلاوة على ذلك، فإن تتويج المؤسسة بجائزة التميز في تحدي القراءة العربي على الصعيد الوطني يشكل محطة بارزة في مسارها، غير أن هذا التتويج، في عمقه، يعكس نتيجة طبيعية لمسار طويل من الاشتغال المتواصل… حيث إن الإنجاز لم يكن وليد لحظة، بل ثمرة تراكمات دقيقة، اشتغلت خلالها المؤسسة على ترسيخ ثقافة القراءة بوصفها ممارسة يومية، لا نشاطاً ظرفياً.

 

ومن الثابت أن هذا النموذج يكتسب أهمية خاصة في سياق تتزايد فيه الحاجة إلى إعادة بناء العلاقة مع المعرفة، حيث إن الاقتصار على نقل المعلومات لم يعد كافياً، وأصبح من الضروري تمكين المتعلم من أدوات التفكير والتحليل، ومنحه القدرة على إنتاج المعنى، لا الاكتفاء باستقباله… وهو ما يجعل من القراءة مدخلاً أساسياً لتشكيل وعي قادر على التفاعل مع التحولات.

 

كما أن تجربة “مؤسسة اقرأ” تعكس تصوراً متقدماً للتدبير التربوي، حيث تتكامل الرؤية مع الممارسة، وتتقاطع الأهداف مع الوسائل، ضمن منظومة تسعى إلى تحقيق تكوين متوازن، يجمع بين المعرفة والوعي، وبين الفهم والإدراك… وهو ما يمنح لهذه التجربة طابعها المتميز داخل المشهد التعليمي.

 

ومن جهة أخرى، فإن هذا النموذج يطرح سؤال تعميم التجارب الناجحة، حيث إن ما تحقق في هذه المؤسسة يمكن أن يشكل مرجعاً لإعادة التفكير في السياسات التعليمية، شريطة اعتماد مقاربة تقوم على الاستمرارية والتدرج… لأن بناء ثقافة القراءة لا يتحقق عبر مبادرات ظرفية، وإنما يتطلب اشتغالاً طويل الأمد، يراكم النتائج ويؤسس للتحول.

 

إن ما تحقق داخل هذه المؤسسة يؤكد أن الرهان على القراءة يظل الخيار الأكثر عمقاً في بناء الإنسان… حيث إن المجتمعات التي تعيد الاعتبار للحرف تمتلك القدرة على التفكير والإبداع، بينما تلك التي تنصرف عنه تظل حبيسة الاستهلاك والتكرار.

 

وبالتالي، فإن هذا المسار لا يمكن اختزاله في تتويج أو إنجاز، وإنما يمثل تجربة متكاملة تعكس إمكانية بناء نموذج تعليمي مختلف، ينطلق من القراءة ليصل إلى الوعي، ومن المعرفة ليبلغ الإنسان في اكتماله… وهي رسالة واضحة مفادها أن البداية، دائماً، من كلمة… ثم تتسع الدائرة حتى تصير وعياً راسخاً وبناءً متماسكاً.