البام حزب يغري بالانتباه… في مرحلة دقيقة من خلط السلطة بالمال في مشروع الانتقال الديموقراطي المغربي

البام حزب يغري بالانتباه… في مرحلة دقيقة من خلط السلطة بالمال في مشروع الانتقال الديموقراطي المغربي

بقلم د منير الطاهري

من المصادفات الدقيقة والمغرية في ذكريات المدرسة الوطنية للإدارة

أنه حين كنتم السيد فوزي لقجع ضمن فوج 97 من خريجي هاته المؤسسة، كنت كذلك ضمن نفس فوج التكوين بالسلك العادي للمدرسة الوطنية للإدارة، ربما قد لا أذكر بالضبط متى احتسينا آخر قهوة معا السيد الوزير فوزي، لكن كل ما أذكره من بقايا لقاءاتنا في سنة 96 في مقصف المدرسة الوطنية للإدارة عند “أبا حسن” أننا كنا نتشارك الحديث بتلقائية وعفوية في نقاشات توليدية استكشافية بين مهندس زراعي قادم من شرق المغرب وبين شاب مسكون بالحرية والاحلام وتأثيرات تجربة الركح مع مسرح الهواة المحفزة لفطنة التواصل الاجتماعي بلا قيود، شاب قادم من العطاوية ولو أنه من مواليد الزمامرة المغمورة بذاكرة يسارية لحركة 23 مارس وللمهد الاشتراكي القديم.
كانت قهوة الصباح في مقصف المدرسة الوطنية للإدارة عند أبا حسن وبلا مواعيد رسمية، تتيح لقاءات مختلفة بين أفواج السلك العادي والسلك العالي بلا حسابات وكانت السياسة حاضرة دائما في أحاديثنا من خلال التعليق عن أحداث فاس/ دجنبر 1990، ومآلات التناوب التوافقي المجهض في مشروعه الأولي بعد خطاب السكتة القلبية وبعدها نقاشات مستفيظة حول دستور 1996 و لم تكن لدينا أجوبة جاهزة عن فحوى المخاض الانتقالي الكبير المنتظر والذي قد يكون بيولوجيا وجيليا بالأساس خارج تباشير الحتمية التاريخية الموعودة، ما كان يغرينا فوق كل هاته التحليلات هو احتساء قهوة الصباح والاستفاضة، كل من موقعه، في تقديم تأويلات قانونية/ فقهية ودستورانية عن مغرب يتغير، وكنا فعلا نؤمن بان شيئا ما يتغير ليس في كراساتنا الدراسية ولكن في واقع أنتروبولوجي وسوسيو سياسي قد يتجاوز محتويات القراءة الأكاديمية التي كانت تقدمها الوصفات العلمية للمدرسة الوطنية للإدارة كإطار تكويني لقادة التدبير العام للشأن المحلي والوطني وللدبلوماسية الخارجية .

احتساء القهوة مع فوزي لقج …؟

بعد تخرجنا في نهاية التسعينات لم تتح لي الفرصة لاحتساء قهوة مع فوزي لقجع خارج مقصف المدرسة الوطنية للإدارة لكنني سأسمع عنه كما سمع عدد كبير من المغاربة بأننا أمام شخصية عمومية أصبحت تتولى تدبير المالية العمومية وكرة القدم بل وبعدها أمام رئيس لاتحاد رياضي بالمغرب الشرقي – نهضة بركان ، فريق وطني صغير تمكن حيازة ألقاب وطنية وقارية .
وكذلك كان، بجدارة وحنكة تمكن هذا الرجل من تولي مسؤولية المدير العام للأكاديمية الكروية و للمنتخب الوطني واختيار ناخب وطني لكرة القدم ومكننا كذلك من بلوغ المرتبة الرابعة عالميا في كأس العالم قطر 2022 بمقدرة تفاوضية عالية ومنفردة في مواجهة مديري أعمال عدد من النجوم المغاربة في كرة القدم وكذلك بمنح مشورته ومعلوماته وأحيانا بتفويض القوة التفاوضية للناخب الوطني وليد الركراكي لانتقاء جيل كروي مغربي وطني مستقل عن معايير المضاربة التي كان يفرضها مديرو اعمال النجوم الكروية.
في هذا المسار لا يمكن تبخيس مجهودات فوزي لقجع في التدبير العمومي لشؤون كرة القدم، لأنه أعاد موقعتها كشأن سيادي وكرافعة للعلم الوطني خصوصا بعد انتصارات المنتخب الوطني في نهائيات كأس العالم قطر 2022 وأعاد الاعتبار للصناعة الكروية كمنتوج قادر على استثارة فرح وطني عام واختلاق هوس عام بكرة القدم سبق وأن تناولناه في مقال الأفيون الكروي كمشروع لإعادة انتاج التخلف بطريقة مبتكرة، لأن سي فوزي اشتغل بجد لكي يجعل من كرة القدم مصدرا من مصادر الفرح الجماعي ولكنه كوزير للميزانية العمومية لم يتمكن من تقديم فرح جماعي بسبب ارتفاع مستويات الدخل الفردي والتنمية والعدالة الاجتماعية وكذا بسبب تقدم معايير المساواة ومؤشرات حماية الفئات الهشة.

الأخ والصديق المقتدر سي فوزي لقجع ، تعلم جيدا أنني لا أكتب بغرض إفساد فرحة الناس

خصوصاً حين تضيق أمامهم مساحات الفرح الأخرى المرتبطة بالقدرة الشرائية والحق في العيش الكريم لأن المطلب الحقيقي لعموم المغاربة هو مدرسة عمومية جيدة ومستشفى يحفظ كرامتهم وعلى وجه الخصوص شغل يضمن استقلالهم بمعايير وأجور متطابقة مع المعايير الدولية للشغل OIT.
تعلم جيدا العزيز فوزي أن تنظيم تظاهرة عالمية ككأس العالم لا يعفينا من المحاسبة عن إخفاقات كبيرة في المدارس والمستشفيات والجامعة والبحث العلمي وتمهين اليد العاملة الوطنية والاستثمار في العنصر البشري وأن المدخل إلى ذلك هو رفع الاحتكار والريع والإقصاء والحكرة ببرامج وطنية تلغي الامتيازات والرخص الريعية لفائدة نظام اجتماعي ثوري جديد للكفاءة، يتيح قدرة الولوج للمبادرة الحرة على وجه المساواة وبنفس االشروط التنافسية أو ربما بشروط تفضيلية للمقاولة الصغرى والدقيقة والمتوسطة ولتعاونيات الاقتصاد الشعبي الوطني .

أنت لست صاحب عصا سحرية، ولكنك واحد من الوجوه التي أصبحت لها ثقة ومكانة في المجالين المالي والتدبير الرياضي 

نعم، أنت لست صاحب عصا سحرية، ولكنك واحد من الوجوه التي أصبحت لها ثقة ومكانة في المجالين المالي والتدبير الرياضي بما يجعل المغاربة اليائسين والمقاطعين للانتخابات الأخيرة يعقدون آمالا على حكومتك التي تترأسها امرأة أي السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، وأنت تعلم أن هذا الشعب الأمازيغي المتلاقح والمهووس بثقافة الحداثة كما هي لدى بلدان الشمال، يستحسن كثيرا هذا الاختيار النسائي لتدبير الشأن العام، ويتذكر في ذلك الكثير من محطاته الزاخرة بإسهامات نسائية في زمن الحضارات الموحدية والمرينية وما قبلها بأعوام، ولا يرى في ذلك حرجا البثة، لكنه يترجى من حكومتك فتح نقاشات أوسع حول تجديد الحياة السياسية ويلتمس وضع بارومترات اجتماعية حول تقبل الناس وتقيمها لجودة الخدمات العمومية سواء منها تلك التي مازالت تتولاها الدولة وشركاتها الوطنية بصفة احتكارية أو تلك التي تم تفويضها للقطاع الخاص ويتمنى كذلك سياسة اجتماعية ومشروعا مجتمعيا لأبنائه وحفدته في وطن ضامن للعيش المشترك ومؤمن لحقوق جميع فئاته. كذلك العزيز فوزي لا يتمنى المغاربة سياسة تواصلية بكماء كما فعل أخنوش، لأن الأمر يتعلق بمسار انتقالي يحتاج إلى الثقة والثقة تبنى على التواصل أولا وعلى العدالة الانتقالية كذلك، وهذا موضوع آخر، وهنا أعتقد رفيقي لقجع أن حكماء الدولة العميقة أدرى شؤونا بفلسفة العدالة الانتقالية ولهم اطلاع وافر على مقادير الجرعات الممكن تقديمها لإدارة التغيير والانتقال نحو الديموقراطية بلا نزعة نكوصية تريد إفراغ الانتقال الديموقراطي من مراميها النبيلة ولا الانتقاص من هيئة وهيبة الدولة الحامية لتاريخ العمران والجماعات مند 13 قرن خلت .
في المغرب، كدولة للمؤسسات الحديثة التشكل، وكدولة عريقة التاريخ كما جاء في الخطاب الملكي، قد تصبح المشكلة أعمق من اختيار الأسماء التي تم التراضي حولها لأن اللقاء الثاني مع رئيسة الحكومة، والذي كان مقصودا على المستوى التواصلي، ربما أريد منه التذكير بأن الأمر يتطلب نخب وكفاءات لتدبير الشؤون العامة للمغاربة في مرحلة استثنائية مفصلية يمكن تفسيرها أولا بقضية السيادة الوطنية على أقاليم الحكم الذاتي وتطوراتها وثانيا بقضية عدم الثقة في مؤسسات الوساطة الاجتماعية وما نجم عنها من توثرات اجتماعية انتهت بواقعة الهروب الجماعي نحو الثغرين المحتلين سبتة ومليلية وثالثا بسبب حاجة القصر لحكومة قوية لتأكيد استمرارية العرش كيفما كانت الظروف ضمانا لمفهوم السلطنة والمؤسسة الملكية والإمارة العامة للمؤمنين
الرفيق العزيز فوزي، أعتقد أن النقاش حول تجديد الأحزاب السياسية في المغرب اليوم لم يبق مجرد ترف استيتيكي لتأثيث الحياة السياسية فقط ولم يبق كذلك مجرد نقاش سجالي ضيق بين الأحزاب، لكنه أصبح بالضرورة حاجة مؤسساتية لتجديد وعصرنة الإطار المؤسساتي للدولة بالمعايير الدولية حول سؤال المطلبية الاجتماعية وسبل الإجابة عنه ولنقل كذلك حاجة تاريخية لعقلنة البناء التقليدي للدولة والدفع به نحو معيار المسؤولية والمحاسبة والاستقلالية، والدليل على ذلك أن حزبكم اختار التحالف مع أحزاب الكثلة الوطنية التقليدية كمنأى أخير للدفاع عن توجهاته، ولنقل، توجهات علمية لاستكمال مشروع الانتقال الديموقراطي في إطار إرادة ملكية ولائية تحكيمية، تتمسك بتنزيه نفسها عن الاختلافات وضمان مسافة ضرورية مع الواقع الحزبي.
لكن هذا لا يعفينا من مساءلتكم مجددا، لشخصكم وكوسيط سياسي مقرب من الفاعل الرئيسي أليس بإمكانكم إعادة هيكلة الحزب واختيار الكفاءات اللازمة وهل فعلا لا تملكون الصلاحيات والثقة والسلط لخلخلة الهيكلة التقليدية لأحزاب التحالف الحكومي و المغامرة في ذلك لأجل دعوة شخص مثل بوبكر الجامعي ليكون حليفكم عن حزب الاستقلال ونفس الشيء قد أقوله عن السيدة أبو زيد عن الاتحاد الاشتراكي وربما المضي أكثر عزما وصدقية لاختيار كفاءات الخارج المشهود لهم بوزنهم على الصعيد الدولي، أعتقد هنا أنك تبلغت مقاصدي بلا ذكر للأسماء… ولولا حنكتك مع الركراكي في اقتراح عناصر وكفاءات في الخارج لما تمكنا من لعب نصف نهائي كأس العالم في قطر.

قضايا المونديال والحكم الذاتي التي اريد اختزالك فيها ،العزيز فوزي لقجع ،هي قضايا يعيدة عن الاستراتيجية الكبري السيلدية وللتي لم تعلن بعد 

 

، ولعل زبد البحر المختمر فيها هي قضايا التشغيل والتنافسية الحرة وشروط الولوج للمبادرة الحرة، ومدى تمكن المغاربة من تشكيل حكومة مسؤولة عن التشغيل والتعليم والصحة وقدراتهم الشرائية، حكومة قادرة على وضع ضرائب لموجهة الادخار المفرط وفرض مستحقات للشعب والسلة العمومية عن الثروات الفاحشة ولو عند عقود الإرث أو عند التفويتات والمعاملات التي يبلغ حجمها مليار درهم وكذا الغرامات والتعويضات عن الإثراء بلا سبب وعن الاخلال بشروط المدنية والسلوك المدني في الفضاءات العمومية وكذا عن كل الأنشطة المنتسبة للثراء الفاحش أوالاستعمال المصنف بفرض ضرائب وإقرار مستحقات عنها للمدرسة العمومية والمناطق النائية والفئات المهمشة وذوي الاحتياجات الخاصة،
الأخ العزيز لقجع ، تعلم جيدا أن هاته الإجراءات هي الكفيلة بجعل المغاربة يعتزون بوطنهم وبما يحققه من نجاحات أكثر من نجاحات كرة القدم وأنها إجراءات لتقوية البلاد من الداخل وبالثقة في الراية الوطنية والاعتزاز بالملك الحامي للبلاد ولمواطنيه من الفاقة والهروب الجماعي نحو بلدان الرفاهية .
لعلنا لن نعود إلى الوراء 30 سنة لنجلس مجددا في مقصف المدرسة الوطنية للإدارة لاحتساء قهوة الصباح والتذاكر حول سؤال المغرب الممكن للجميع والنجاح الجماعي، لكن السؤال اليوم الذي يطرحه عليك الكثير من جيل القنطرة جيل Y الذي هو جيلك وجيلي كذلك، هل يمكن لجيلنا المتحرر من سجون سنوات الرصاص أن يعيد للسياسة أفقا جديدا لأجيال القادمة ؟
تلك هي القهوة التي ما زلت أبحث عن احتسائها لو أمكن مع الأخ فوزي ولو بعيدا عن مقصف المدرسة الوطنية لفتح نقاش أخوي حول السياسات العمومية الممكنة للانتقال ببلدنا ضمن العشر الأوائل عالميا كقوة اقتصادية وككفاءة بشرية وكسيادة مستقلة وقوة وطنية على مستوى الناتج الداخلي القومي وعلى مستوى التمدرس وجودة الخدمات الطبية وانتشار شبكات التوزيع والنقل في المناطق الجبلية والنائية وباقي المؤشرات المجالية والترابية من قبيل التوزيع المجالي للمدارس والمستشفيات وفرص الشغل وكذا الارتقاء بالمؤشرات البيئية والاستدامة ومؤشرات الحكامة والشفافية وجودة المؤسسات