*الحكامة القضائية في تجربة نورالدين الداحن، وكيل الملك بابتدائية ابن أحمد: حين تجتمع الصرامة القانونية بالإنسانية الرفيعة**بقلم: حبيل رشيد*

جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

في خضم التحولات العميقة التي تعرفها منظومة العدالة، تتقدم الحكامة القضائية باعتبارها الإطار الناظم لإعادة تشكيل العلاقة بين القضاء والمجتمع، حيث إن الرهان لم يعد منصبًا على مجرد تطبيق النصوص في بعدها الإجرائي، وإنما أصبح مرتبطًا بمدى قدرة الفاعل القضائي على تحقيق التوازن بين مقتضيات القانون وروح العدالة… وبالتالي، فإن النماذج القضائية التي تمارس وظيفتها بوعي مركب، قانوني وإنساني، تكتسب دلالة خاصة في سياق بناء الثقة وتعزيز المشروعية.

 

وفي هذا السياق، تندرج تجربة السيد نورالدين الداحن، وكيل الملك بابتدائية ابن أحمد، باعتبارها نموذجًا دالًا على هذا التحول النوعي في ممارسة السلطة القضائية، حيث تتقاطع الصرامة القانونية مع الحس الإنساني، ويتكامل التطبيق السليم للنصوص مع استحضار الأبعاد الاجتماعية للنزاعات… ومن ثم، فإن مساره المهني لا يعكس فقط كفاءة تقنية متقدمة، وإنما يؤشر على وعي عميق بوظيفة العدالة في بعدها الإصلاحي.

 

لقد راكم السيد وكيل الملك تجربة قضائية غنية، تنقل خلالها بين عدة محطات داخل الجسم القضائي، كان أبرزها اشتغاله قاضيًا للتحقيق بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، مكلفًا بالغرفة الثانية، ومتخصصًا في قضايا الفساد المالي والجرائم الاقتصادية… وهي مجالات تتطلب دقة في التحليل، وجرأة في اتخاذ القرار، واستقلالية راسخة في التقدير، خاصة عند مباشرة ملفات وطنية كبرى من قبيل ملف خالد عليوة، المدير العام السابق لبنك القرض العقاري والسياحي، وملف المكتب الوطني للمطارات، حيث إن هذا النوع من القضايا يختبر بشكل فعلي مدى صلابة القاضي وقدرته على مقاومة مختلف الضغوط.

 

غير أن ما يمنح هذه التجربة عمقها الحقيقي، لا يرتبط فقط بالرصيد المهني أو التخصص الدقيق، وإنما يتجلى في أسلوب تدبير الملفات داخل النيابة العامة، حيث يعتمد السيد نورالدين الداحن مقاربة قائمة على حسن الإنصات، ودقة التقدير، والتفاعل المسؤول مع شكايات المواطنين… إذ إن العديد من المرتفقين والمهنيين يشهدون له بقدرته على التعامل مع القضايا بروح الإنصاف، بعيدًا عن الجمود الإداري أو المقاربة الشكلية التي تفرغ العدالة من بعدها الإنساني.

 

وعلاوة على ذلك، يبرز تدبيره لملف الاعتقال الاحتياطي كأحد المؤشرات القوية على تبنيه لمقاربة حقوقية متقدمة، حيث عمل على ترشيد اللجوء إلى هذا الإجراء، احترامًا لمبدأ الاستثناء الذي يؤطره قانونًا، بما ينسجم مع حماية الحرية الفردية وضمان قرينة البراءة… وبالتالي، فإن هذا التوجه يعكس إدراكًا عميقًا للتحولات الحديثة في السياسة الجنائية، ويؤكد انخراطه في منطق العدالة الإصلاحية التي تجعل من القضاء أداة للإنصاف لا مجرد وسيلة للزجر.

 

كما أن حرصه على إصلاح ذات البين بين أطراف النزاعات متى كان ذلك ممكنًا قانونًا، يشكل بعدًا آخر من أبعاد الحكامة القضائية، حيث إن تشجيع الحلول التوافقية لا يختزل فقط الجهد القضائي، وإنما يسهم في ترميم العلاقات الاجتماعية وتعزيز الاستقرار الأسري… ومن المؤكد أن هذا التوجه يعكس وعيًا بوظيفة القضاء كآلية لتحقيق السلم الاجتماعي، لا كفضاء لإنتاج النزاعات.

 

ومن زاوية مهنية، تتسم علاقته بمختلف مكونات أسرة العدالة، من قضاة ومحامين وموظفين وضابطة قضائية، بالتوازن والاحترام والتعاون، وهو ما انعكس بشكل إيجابي على مناخ العمل داخل المحكمة، وأسهم في تحسين جودة الأداء القضائي وتعزيز فعاليته… إذ إن الحكامة القضائية لا تتحقق فقط عبر القرارات، وإنما أيضًا من خلال أنماط التدبير والعلاقات المهنية داخل المؤسسة.

 

إن تجربة السيد نورالدين الداحن، وكيل الملك بابتدائية ابن أحمد، تقدم نموذجًا حيًا لقاضٍ يمارس سلطته باسم القانون، ويؤدي رسالته بروح الإنسان… نموذج تتكامل فيه الصرامة القانونية مع الإنسانية الرفيعة، ويتجسد فيه مفهوم العدالة في أبعاده المتعددة، القانونية والحقوقية والاجتماعية، بما يجعل من الحكامة القضائية واقعًا ملموسًا لا مجرد شعار مؤسساتي.