المغرب ومستقبل الطاقة الخضراء: من استخراج الخام إلى ريادة صناعة بطاريات الليثيوم

جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

يجد المغرب نفسه اليوم أمام فرصة تاريخية تضعه في قلب التحول الصناعي العالمي، بفضل امتلاكه لمخزون استراتيجي هائل من معادن المنجنيز، الكوبالت، والنيكل. ولم يعد السؤال المطروح اليوم هو مدى توفر هذه الثروات، بل يتمحور حول القدرة على تجاوز دور “المصدر للمواد الخام” والتحول نحو التصنيع المحلي للمكونات الكيميائية الدقيقة التي تدخل في صناعة بطاريات “الليثيوم-أيون”، وهو ما سلطت عليه الضوء دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة “Next Energy”.

وتكشف الأرقام أن المملكة تمتلك احتياطيات تقدر بنحو 1.5 مليون طن من المنجنيز، وحوالي 45 مليون طن من خام الكوبالت والنيكل. ورغم هذه الوفرة، فإن النمط السائد حالياً يعتمد على تصدير هذه المواد في صورتها الأولية أو نصف المصنعة، مما يُهدر فرصاً كبيرة لخلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني ويجعل البلاد عرضة لتقلبات الأسعار في الأسواق الدولية. وتبرز منطقة “بوأزعر” بالأطلس الصغير كنموذج استثنائي عالمياً، حيث تحتضن وحدها أكثر من 650 ألف طن من الكوبالت، بالإضافة إلى تركز النيكل في نفس التكوينات الجيولوجية، ومناجم المنجنيز العريقة في حوض “إيميني” والمستغلة منذ ما يقرب من قرن.

وتؤكد الدراسة من خلال تحليل دقيق لسلاسل المعالجة “الهيدرومتالورجية” أن الإمكانيات التقنية متاحة لتحويل هذه الخامات محلياً إلى كبريتات عالية النقاء، وهي المادة الأساسية المطلوبة لصناعة كاثودات بطاريات السيارات الكهربائية. وبناءً على هذه المعطيات، يمكن للمغرب إنتاج كميات سنوية ضخمة تشمل 56,160 طناً من كبريتات المنجنيز، و9,305 أطنان من كبريتات الكوبالت، بالإضافة إلى 600 طن من كبريتات النيكل. هذه القدرة الإنتاجية تكفي لتجهيز حوالي 370 ألف سيارة كهربائية سنوياً، مما يمنح المملكة مقعداً متقدماً في خارطة القوى الصناعية الطاقية.

وعلاوة على الجانب التقني، فإن الموقع الجغرافي للمملكة كبوابة نحو أوروبا، واستقرارها المؤسساتي، يشكلان حوافز إضافية لجذب الشراكات الدولية. ورغم أن احتياطيات الليثيوم في المغرب لم يتم تأكيدها بشكل نهائي بعد، إلا أن استيراده ومعالجته محلياً مع المكونات الأخرى يظل خياراً استراتيجياً رابحاً. كما تشيد الدراسة بتبني المغرب لممارسات مستدامة في هذا القطاع، مستشهدة بتجارب وطنية رائدة تعتمد بنسبة 90% على طاقة الرياح في عملياتها المنجمية، مما يعزز من تنافسية المنتج المغربي في سوق تولي أهمية قصوى للبصمة الكربونية.

إن التحول نحو إنتاج السلائف الكيميائية للبطاريات لا يمثل مجرد مشروع صناعي، بل هو نقلة نوعية من شأنها أن تعيد صياغة الموقع الجيوسياسي للمغرب، ليصبح فاعلاً رئيسياً في سلاسل القيمة العالمية، ويضمن له استدامة اقتصادية بعيدة عن التبعية لأسواق الخامات التقليدية.