جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

شهدت منظومة العدالة في المغرب منعطفاً حاداً في الآونة الأخيرة، حيث خرج الجدل المرتبط بمشروع قانون مهنة المحاماة رقم 66.23 من دائرة النقاشات القانونية المحدودة ليتحول إلى صدام مفتوح بين هيئات المحامين والجهة الوصية. هذا التصعيد لم يأتِ من فراغ، بل هو رد فعل مباشر على ما يراه “أصحاب البذلة السوداء” تهديداً صريحاً لاستقلالية مهنتهم، واستهتاراً بمنهجية التشاركية التي يجب أن تطبع أي إصلاح جوهري يمس ركناً أساسياً من أركان القضاء.
وفي خضم هذه التوترات، توسعت رقعة الداعمين لغضب المحامين، حيث انضمت أصوات نقابية إلى صفوف المساندين، واصفة التوجهات الحالية في صياغة القوانين بأنها “تغول تشريعي” يتطلب رص الصفوف لحماية المكتسبات الحقوقية والمهنية التي ناضل من أجلها المحامون لعقود طويلة.
لقد اتخذت الحركة الاحتجاجية منحى تصاعدياً غير مسبوق، بدءاً من مقاطعة شاملة للجلسات والمرافعات، وصولاً إلى الاعتصامات الرمزية للنقباء أمام المؤسسة التشريعية، في رسالة موجهة للرأي العام والمشرع مفادها أن استقلالية المحاماة ليست مجرد امتياز، بل هي صمام الأمان الأساسي لضمان محاكمة عادلة وحماية حقوق المواطنين وحرياتهم.
هذا الحراك المهني ألقى بظلاله الثقيلة على المحاكم المغربية التي تعيش منذ أسابيع حالة من الشلل شبه التام، مما أدى إلى تعثر ملموس في تداول الملفات القضائية وتأخر البت في قضايا المواطنين، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول التبعات الاقتصادية والاجتماعية لهذا التوقف، ليس فقط على المتقاضين الذين تأثرت مصالحهم، بل أيضاً على المداخيل العامة المرتبطة بالخدمات القضائية.

ولم يكتفِ الجسم المهني بمقاطعة المحاكم، بل تمسك بقرار تعليق المساعدة القضائية، كإجراء ضاغط يجسد عمق الاحتقان القائم. وفي هذا الصدد، شددت جمعية هيئات المحامين بالمغرب على تمسكها بموقفها الرافض لأي قانون يتم تمريره في غياب حوار حقيقي وتشاركي، مؤكدة أن المحامين لن يقروا بأي تشريع يفرض عليهم خارج نطاق التوافق الدستوري والمعايير الدولية. بل إن التلويح بإمكانية إيداع البدلات المهنية في مقرات الهيئات يعكس مدى الغضب الذي وصل إليه المحامون، واستعدادهم للذهاب بعيداً في احتجاجاتهم.
إن المشهد الحالي يضع منظومة العدالة أمام اختبار صعب، حيث تتعارض رغبة الدولة في تحديث الترسانة القانونية مع مطالب المحامين بضرورة احترام خصوصية مهنتهم. وهذا الوضع يستلزم بلا شك فتح قنوات حوار مسؤولة وجادة، تخرج البلاد من حالة الجمود التي تضر بمصالح المتقاضين وتؤثر على سير المرفق القضائي.
إن قوة أي دولة لا تنبع فقط من سلطتها في سن القوانين، بل بقدرتها على صناعة الإجماع حولها. فالحوار الوطني هو السبيل الوحيد لتحويل النصوص القانونية إلى أدوات لتعزيز الثقة، أما في حال تغليب نهج الانفراد، فإن ساحات القضاء ستظل مرشحة للتحول إلى منصات للاحتجاج، ليصبح الدفاع عن استقلالية المحاماة جزءاً لا يتجزأ من المعركة الكبرى لبناء دولة الحق والقانون.
