جريدة ارض بلادي -هيئة التحرير-

تتجاوز أحكام السجن الصادرة في حق البروفيسور رشيد شرقاب ورفاقه حدود الملف القضائي العابر، لتلامس جوهر السؤال المؤرق حول حدود حرية التعبير المهني ومستقبل النزاهة داخل مؤسساتنا العمومية. إن قضية تدبير المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء ليست مجرد نزاع بين أطراف أو محاكمة لكلمات أُطلقت، بل هي مرآة تعكس الصراع الأمني والخوف الذي قد يصيب كل صوت يحاول الإشارة إلى مكامن الخلل في المرفق العام.
لا يعترض أحد على أهمية صون كرامة الأشخاص وحماية السمعة ومنع التشهير؛ فهذه ثوابت قانونية وأخلاقية لا غنى عنها في دولة الحق والقانون. غير أن الخط الفاصل بين التشهير المجرم والتبليغ المسؤول عن الاختلالات يوشك أن ينمحي عندما تُستبدل آليات التحقيق والرقابة بعقوبات حبسية قاسية ومطالبات مالية تعجيزية. إن المحاكمة العادلة وتوفير ضمانات الدفاع ليسا مجرد شعارات، بل هما الركيزة التي تصون ثقة المواطن والمهني في العدالة، والسبيل الوحيد لضمان ألا تُركم ملفات التبليغ والشكايات في الأدراج بينما يُساق الشاهد أو المنبه إلى خلف الأسوار.
إن القلق الحقوقي الذي أعربت عنه المنظمة المغربية للحقوق والحريات يضع يده على الجرح الحقيقي: كيف يمكن بناء مناخ يشجع على مكافحة الفساد وتطوير القطاع الصحي إذا كان ثمن التنبيه هو سلب الحرية؟ إن قطاع الصحة الاستشفائي، الذي يتعامل يومياً مع أنبل ما يملك الإنسان—حياته وجسده—لا يحتمل التستر أو التضييق على القرار الطبي الحر. وإذا صح أن تدخلات طبية وإنسانية جبارة صدرت عن أطباء أكفاء ساهمت في إنقاذ مرضى من عاهات مستديمة، فإن الأولى بالرعاية هو توفير البيئة الآمنة لهؤلاء الكوادر ليؤدوا رسالتهم بعيداً عن سياسة الترهيب.
إن الدعوة إلى الإفراج عن البروفيسور رشيد شرقاب وتفعيل مساطر مراجعة التدابير السالبة للحرية، بالتوازي مع فتح بحث رقابي وإداري مستقل حول وضعية مستشفى ابن رشد، ليست تطاولاً على السلطة القضائية ولا تدخلاً في أحكامها، بل هي نداؤه الواجب لحماية المؤسسات من التآكل الداخلي. إننا بحاجة ماسة إلى بيئة تضمن للمواطن والمهني حماية قانونية حقيقية عند التبليغ، وترسخ الشفافية والمساءلة كنهج مؤسسي ثابت، حتى لا نجد أنفسنا أمام واقع يُعاقب فيه من يشير إلى الخلل، بينما تظل الاختلالات قائمة دون حراك.
