جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

أقدّس ذاتي كل يوم، لا بدافع الغرور أو التعالي، بل لأنني أدرك قيمة ما أمتلكه من قدرات، وأؤمن أن الوعي الذي بنيته لم يكن هبة مجانية، بل ثمرة صراع طويل مع تحديات حاولت مرارًا أن تعيق تقدمي. كنت أعتقد أنني بلغت من القوة ما يجعلني بمنأى عن السقوط، لكن الحياة كشفت لي أن الإنسان قد يُهزم أحيانًا من أشياء تبدو بسيطة وعادية في ظاهرها.
في مقال سابق، تحدثت عن مرحلة من التحول الفكري العميق، ووصفتها بعبارة: «استعمرت تفكيري». كنت أظن أنني أصبحت أكثر صلابة من أن أتأثر بأي عامل خارجي، غير أنني اكتشفت أن الخطر لا يأتي دائمًا من الأشخاص أو الظروف، بل قد يأتي من عادات يومية نتعامل معها باستهانة.
مع بداية الموسم الدراسي، أوليت اهتمامًا كبيرًا بصحتي الجسدية، ومارست الرياضة بانتظام، لكنني في المقابل أهملت جانبًا آخر لا يقل أهمية، وهو الجانب الدراسي. لم أدرك حجم هذا الإهمال إلا عندما بدأت نتائجي تتراجع تدريجيًا، فحاولت تدارك الأمر سريعًا، لأن الدراسة وتطوير الذات يشكلان بالنسبة إليّ أساس مشروع حياتي.
غير أن المشكلة كانت أعمق مما تصورت. فحتى بعد إعادة ترتيب أولوياتي، استمر الشعور بالملل الذهني والخمول وفقدان الرغبة في الدراسة. أصبحت القراءة مرهقة، والتركيز مهمة شاقة، وتحولت أبسط المعلومات إلى عبء ثقيل على عقلي. شعرت وكأن قدرتي على التحليل والاستيعاب بدأت تتآكل شيئًا فشيئًا.
في تلك المرحلة، أدركت أن جزءًا من المشكلة كان مرتبطًا بطريقة استثماري لوقتي. فقد انشغلت بأمور هامشية وعلاقات لم تضف إلى مساري الفكري أو العلمي شيئًا يُذكر. كنت أهرب من الجدية نحو ما هو أسهل وأسرع، بينما ظل داخلي صوت يلح عليّ بالبحث عن السبب الحقيقي لما أمر به.
واصلت البحث والتساؤل، وبدأت ممارسة تمارين ذهنية تهدف إلى تحسين التركيز وتنشيط القدرات العقلية. ومع الوقت، اكتشفت أنني كنت أعاني مما أصبح يُعرف بـ«تعفن الدماغ الرقمي»، وهي حالة تنتج عن الاستهلاك المفرط للمحتوى القصير والسريع المنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي.
هذا النوع من المحتوى يمنح العقل جرعات فورية من المتعة والتحفيز، فيعتاد الدماغ على المكافآت السريعة دون بذل جهد حقيقي. ومع تكرار ذلك، تصبح الأنشطة التي تتطلب التركيز والصبر، كالدراسة والقراءة والتفكير العميق، أقل جاذبية وأكثر إرهاقًا.
عندما فهمت هذه الآلية، بدأت رحلة استعادة السيطرة على نفسي. قلّصت استهلاكي للمحتوى السريع، ووجهت طاقتي نحو مصادر أكثر فائدة. عدت إلى القراءة، وإلى الانضباط، وإلى بناء عادات صحية تعيد للعقل قدرته الطبيعية على التركيز والإنتاج. لم تكن المهمة سهلة، لكنها كانت ممكنة، وكانت نتائجها واضحة.
لقد تعلمت من هذه التجربة درسًا جوهريًا. في السابق كنت أعمل فقط عندما أشعر بالشغف والحماس، أما اليوم فأدرك أن النجاح الحقيقي لا يقوم على المزاج، بل على الانضباط. لم أعد أنتظر الظروف المثالية حتى أبدأ، ولم أعد أبحث عن السعادة في الخارج، بل تعلمت كيف أصنعها من خلال الالتزام والعمل المستمر.
كما أدركت المعنى الحقيقي للمقولة الشهيرة: «ما لا يقتلك يجعلك أقوى». فالقوة ليست في تجنب السقوط، بل في القدرة على النهوض بعده بوعي أكبر وخبرة أعمق. لقد خرجت من هذه التجربة أكثر نضجًا وصلابة، وأكثر قدرة على حماية وقتي وعقلي من كل ما يشتتهما.
تحولت من شخص كان يتعثر أمام أبسط العقبات إلى شخصية أكثر استقلالًا وثقة بنفسها. لم أعد أخشى النقد، ولم أعد أسمح لأي فكرة أو عادة أو علاقة بالدخول إلى حياتي قبل التأكد من أثرها الحقيقي عليّ. تعلمت أن بناء الذات مسؤولية شخصية، وأن الإنسان لا يصبح قويًا عندما ينتصر على الآخرين، بل عندما ينتصر على نقاط ضعفه.
هذه ليست مجرد قصة معاناة، بل شهادة على قوة الوعي الذاتي. إنها تجربة أكدت لي أن السقوط قد يكون أحيانًا أعظم نقطة انطلاق، وأن الأزمات قد تتحول إلى فرص لإعادة اكتشاف الذات وصياغتها من جديد.
وفي النهاية، لا أرى ما عشته مرحلة عابرة، بل أعتبره دليلًا على وعي تشكل مبكرًا داخلي، وعلى شخصية تعلمت أن تحاسب نفسها بصرامة قبل أن تحاسب الآخرين. ما يميز الإنسان ليس ذكاؤه فقط، بل شجاعته في الاعتراف بأخطائه، وقدرته على مواجهتها والعمل على تجاوزها.
لقد تعلمت أن أعظم انتصار يمكن أن يحققه الإنسان في حياته هو أن ينتصر على نفسه، وأن يفرض سيادته على عقله ووقته واختياراته، مهما كان حجم الضجيج الذي يحيط به.
