جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

شهدت العاصمة المغربية الرباط، يوم الثلاثاء 5 مايو 2026، لقاءً ثقافياً رفيع المستوى جمع بين سحر الأدب المصري ودفء الاستقبال المغربي، حيث حلّت الدكتورة نسمة يوسف إدريس ضيفةً فوق العادة على الإعلامية ياسمين الحاج. اللقاء الذي احتضنته أروقة السفارة المصرية، لم يكن مجرد حوار عابر، بل تحول إلى جلسة مكاشفة إنسانية وفكرية غاصت في أعماق الهوية، والحرية، وشؤون الكتابة.
استُهل اللقاء بأجواء طغى عليها الرقي الدبلوماسي، إذ أضفى حضور السفير المصري وحفاوته المعهودة طابعاً حميمياً على النقاش، مما عكس الدور الجوهري للدبلوماسية الثقافية في مد جسور التواصل الإنساني بين الشعوب. ومن جانبها، أعربت ابنة “عملاق القصة القصيرة” عن تقديرها البالغ لهذا الاحتفاء، مشيرة إلى أن احتضان المبدعين في المحافل الرسمية يفتح آفاقاً رحبة للتقارب العربي.

وفي سياق الحوار الذي أدارته ياسمين الحاج باقتدار، كشفت الدكتورة نسمة عن ملامح مسيرتها المستقلة؛ فهي لم تختر الوقوف في ظل والدها الأديب الكبير يوسف إدريس، بل شقّت لنفسها طريقاً أكاديمياً وإبداعياً متفرداً. وحول قضية الحرية، أكدت أن الإبداع الحقيقي لا ينفصل عن المسؤولية الأخلاقية، وأن الكتابة الصادقة هي تلك التي تملك الجرأة على مساءلة الذات والمجتمع دون مواربة.
احتلّت روايتها الأخيرة “غواية” حيزاً هاماً من النقاش، حيث وصفتها بأنها “مشرط” يلامس جراح المجتمع، مسلطة الضوء على رحلة المرأة في البحث عن كينونتها وصوتها الخاص بعيداً عن قوالب الضحية الجاهزة. ونظراً للثراء البصري والنفسي الذي تتميز به الرواية، وجّهت ياسمين الحاج نداءً لصناع السينما والدراما العرب للالتفات إلى هذا العمل وتحويله إلى شاشة الفن السابع، لما يحمله من أبعاد درامية قادرة على إثارة نقاش مجتمعي بنّاء.

ولم يخلُ الحديث من شجون الذكريات، حيث استرجعت نسمة إدريس علاقتها الخاصة بالمغرب، مستحضرةً محطة طنجة عام 2014 ومشاركتها في ندوة “الدراماتورجيا البديلة”، وهي التجربة التي صقلت رؤيتها للمسرح. كما أبدت إعجاباً لافتاً بالنموذج الذي تقدمه المرأة المغربية، واصفةً إياها برائدة تجمع بين التمسك بالجذور والانفتاح الواعي على العصر.
وفي لفتة إنسانية، شاركت الضيفة الحضور حلماً دفيناً من طفولتها بارتياد الفضاء، معتبرةً أن الأقدار قادتها إلى نوع آخر من الرحلات “المكوكية”؛ وهي الكتابة التي تتيح لها الغوص في مجاهل النفس البشرية عوضاً عن النجوم. واختُتمت الأمسية بنقاش حول “القوة الناعمة” للثقافة، لتؤكد أن الكلمة الصادقة تظل الأقدر على عبور الحدود وصناعة التغيير.
