جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

يقدّم كتاب «الفقراء في المغرب: نماذج من القرنين السادس عشر والسابع عشر» للدكتور محمد استيتو قراءة تاريخية معمّقة لظاهرة الفقر في المغرب خلال مرحلة اتسمت بالاضطراب السياسي، والتقلبات المناخية، وضعف البنيات الاقتصادية والاجتماعية. وهي قراءة تكتسب راهنيتها من قدرتها على إضاءة جذور الهشاشة التي لا تزال تطفو إلى السطح كلما ضربت الكوارث الطبيعية، وعلى رأسها الفيضانات.
يرصد المؤلف كيف تشكّل الفقر في المغرب خلال القرنين 16 و17م نتيجة تقاطع عوامل متعددة، من بينها الجفاف والفيضانات، والحروب، وعدم استقرار السلطة، إلى جانب هشاشة التنظيم العمراني وغياب تدخلات وقائية فعّالة. ويبيّن أن الكوارث الطبيعية لم تكن سببًا مباشرًا للفقر بقدر ما كانت عاملًا كاشفًا ومسرّعًا له، يفضح اختلالات قائمة في البنية الاجتماعية والاقتصادية.
ويبرز الكتاب أن الفئات الفقيرة كانت الأكثر تضررًا خلال الأزمات، سواء في البوادي أو في هوامش المدن، حيث تنتشر المساكن الهشة وتغيب شروط السلامة وشبكات الحماية. ويكشف هذا المعطى التاريخي عن علاقة وثيقة بين الفقر والمجال، حيث تتحول المناطق المهمّشة إلى فضاءات أكثر عرضة لتداعيات الكوارث.
كما يتوقف الدكتور استيتو عند طبيعة تعامل السلطة والمجتمع مع الفقراء في زمن الأزمات، مبرزًا أن التدخل كان في الغالب ظرفيًا، يهيمن عليه منطق الإحسان والتضامن العابر، دون معالجة بنيوية لأسباب الهشاشة. وهو ما جعل الفقر حالة مستدامة، تُدار اجتماعيًا بدل أن تُعالَج جذريًا.
ولا يغفل الكتاب إبراز أشكال التكيّف التي طوّرها الفقراء للبقاء، من الهجرة المؤقتة، والعمل الهش، والاعتماد على شبكات التضامن المحلي. وهي ممارسات تعكس قدرة الفئات الهشة على الصمود، لكنها في الوقت ذاته تكشف محدودية الأدوار المؤسسية في توفير حماية دائمة.
إن قراءة كتاب «الفقراء في المغرب» تبرز أن التاريخ الاجتماعي لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يقدّم مفاتيح لفهم استمرارية الهشاشة، وكيف تتحول الكوارث الطبيعية إلى مآسٍ إنسانية حين تصطدم بفقر بنيوي وتخطيط غائب. وبهذا المعنى، لا يشكّل هذا العمل مجرد دراسة في الماضي، بل مساهمة فكرية تطرح أسئلة عميقة حول علاقة الفقر بالكوارث، وحدود التضامن، وأدوار الدولة والمجتمع في حماية الفئات الهشة.
