جريدة ارض بلادي -هيئة التحرير

شهد المركب الثقافي بمدينة الحاجب عرضاً مسرحياً استثنائياً قدمته فرقة دار الفن للمسرح بفاس تحت عنوان «البحرية والرداد»، من تأليف حميد الطالبي وإخراج خالد أزويشي. وأسهم هذا العمل، المدعوم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل (قطاع الثقافة) بالشراكة مع مركز نجوم المدينة التابع لمؤسسة علي زاوا بفاس، في خلق تجربة درامية غنية مزجت بدقة بين الأداء الفني الباهر والحمولة التراثية والرمزية الصوفية.

شهد العرض تفاعلاً استثنائياً من الحاضرين بفضل الأداء العالي للممثلين، حيث أبدعت الفنانة نجوم الزوهرة بتشخيص راقٍ حظي بتصفيق حار، إلى جانب حضور لافت لكل من نسرين المنجي، وسفيان المللولي، وإيمان المومثيل، وفيصل الغابية، وخالد أزويشي. واكتملت الجمالية البصرية من خلال سينوغرافيا وملابس أبدعتها آية حروش ونفذها عبد الفتاح بندعنان، مصحوبة بإضاءة صممها إلياس المرموح لتخدم الأبعاد الدرامية للنص.

تغوص أحداث المسرحية في عوالم تجمع بين الروحانية والواقع، فاضحةً صراع التطهر الروحي ضد الجهل والاستغلال العقائدي. وتبدأ القصة داخل ضريح «لالة عيشة البحرية»، حيث تستغل شخصية «المجذوبة» بساطة الناس لتحقيق مآرب مادية، وتسعى لتزويج الخادم «يونس» (سليل سيدي بوشعيب الرداد) من «ميرا» لضمان استمرار السلالة والارتباط بالضريح.
وخلال طقوس القربان، تدخل ميرا في غيبوبة تنقلها عبر الزمن لتعيش أسطورة «عائشة البحرية» التي تركت القصر وملذاته لتبع السالك «بوشعيب الرداد». وبعد استفاقتها، تقود مؤامرات المجذوبة الثنائي إلى العراء، لتتحول هذه العزلة إلى لحظة مكاشفة تدرك فيها ميرا أن زهد يونس وخدمته للضريح لا يعدوان كونها غطاءً لطقوس منحرفة وتوظيف جشع للدين.

تتطور الأحداث عبر رؤيا مشتركة يكتشف فيها يونس وميرا نهاية رحلة عائشة البحرية ورسائلها الصوفية، وصولاً إلى موقفها على ضفة نهر أم الربيع واختيارها الموت لتظل رابطة الحب نقية ومتسامية. تصبح هذه الحكاية التراثية مرآة توقظ وعي يونس وميرا بالمعنى الحقيقي للتضحية والسمو.

وعند عودتهما بحقيقة تthreaten مصالح الضريح وتكشف الدجل، تُقدم «المجذوبة» على قتل ميرا أمام يونس وتتوعده بالجنون. وتنتهي المأساة بتحول يونس إلى مجذوب يفقد عقله من ألم الفقد، بينما ترتقي روح ميرا لتلتقي بروحي عائشة وبوشعيب، في إشارة إلى انتصار الحب الروحي والطهر على الوهم والاستغلال.
قدّم العمل رؤية مسرحية متكاملة جمعت بين المتعة البصرية والعمق الفكري، مؤكدةً دور المسرح كفضاء للتأمل الجمالي وإعادة قراءة التراث بروح معاصرة.
