جريدة ارض بلادي -هيئة التحرير-

شهدت مدينة خريبكة، يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، محطة ثقافية بارزة ضمن أسبوع فعاليات الدورة الحادية عشرة لمهرجان الرواد الدولي للمسرح، حيث التأم جمع من المثقفين وعشاق أبو الفنون في لقاء توقيع استثنائي احتفى بإصدار كتاب “كان حليبا أسود”، للكاتبة والإعلامية الجزائرية أميرة لزيار، وهو العمل الذي يوثق السيرة الإنسانية والإبداعية للفنان والتربوي المغربي محمد بنجدي.
ولم يكن هذا الموعد مجرد احتفاء بركام السنين وتراكم التجارب، بل كان نافذة أطل منها الحضور على مسار إبداعي متعدد الأوجه، تقاطعت فيه الرسالة التربوية بالفعالية المسرحية والعمل الثقافي الميداني. وقد استعرض الفنان محمد بنجدي في مستهل هذه الاحتفالية محطات فارقة من مسيرته المهنية، مستحضراً سنوات عمله أستاذاً متقاعداً بالتعليم الثانوي، وتوليه مهام مختلفة بالنيابة التعليمية ورعاية الأنشطة التربوية، مؤكداً على أثر تجربته المهنية بمدينة وجدة ومحيطها في بناء شخصيته وتغذية شغفه الفني الذي اتخذه منصة للتعبير والإبداع والتواصل الإنساني.

وتعود نبتة هذا المشروع التوثيقي إلى سنة 2017 بمدينة وجدة، حين التقت الكاتبة أميرة لزيار بالفنان بنجدي خلال تغطيتها لمهرجان “كوميدراما الدولي” بصفتها مراسلة ثقافية، حيث استرعت انتباهها تفاصيل هذه التجربة وما تحمله من دلالات إنسانية عميقة تعكس قوة الروابط الثقافية والشعبية بين المغرب والجزائر. وبعد مضي ثلاث سنوات، وتحديداً خلال فترة الحجر الصحي المصاحبة لجائحة كورونا، تجدد التواصل بين الطرفين لتبدأ رحلة تعميق واستعادة التفاصيل الدقيقة التي شكلت الملامح الكبرى لهذه السيرة.
ويغوص كتاب “كان حليبا أسود” في أعماق تجربة بنجدي، متجاوزاً منطق التوثيق الكرونولوجي السردي والأحداث المجردة إلى ملامسة البعد الإنساني الصرف؛ إذ يسلط الضوء على بداياته الفنية ومراحل تشكله، وعلاقته الجدلية بالمسرح، مستعرضاً ما واجهه من تحديات وإكراهات مرتبطة بالجسد والهامش وصعوبات الحياة. وتبرز في النص إرادة صلبة واجهت المعاناة بالأمل، وجعلت من الشغف بالإبداع وقوداً للاستمرار والعطاء الفني.
وقد تخلل اللقاء نقاش حوارياً تفاعلياً فتح المجال أمام مداخلات وتساؤلات الحضور، والتي ركزت في مجملها على أهمية توثيق السير الذاتية في حماية الذاكرة الثقافية الوطنية واحتضان تجارب المبدعين. كما شكل الحوار فرصة لتأكيد دور الفن المسرحي في تشكيل الوعي الاجتماعي، والإشادة بالتجارب التي أثرت المشهد الفني المغربي بعيداً عن زيف الأضواء وفي أرقام صامتة ترتبط بقضايا الإنسان والمجتمع.
ويبصم مهرجان الرواد الدولي للمسرح بخريبكة، من خلال هذا اللقاء المدرج ضمن برنامجه الثقافي، على توجّه يهدف إلى جعل المهرجان منصة للحوار والتبادل الفكري، والتأكيد على أهمية الاحتفاء بالإصدارات التي تؤرخ للتجربة المسرحية الوطنية وتثمن المسارات الإنسانية التي تمنح للفن قيمته الحقيقية ومكانته الجوهرية داخل المجتمع.
