في مرحلة دقيقة ومفصلية تشهدها منظومة العدالة الجنائية بالمغرب، يبرز اسم السيد هشام بلاوي على رأس مؤسسة رئاسة النيابة العامة، بعد تعيينه من طرف الملك محمد السادس بتاريخ 12 ماي 2025 خلفاً للسيد الحسن الداكي فهذه المسؤولية الجسيمة لا تقتصر على تدبير مرفق عمومي عاد، بل تقع في صميم البنية الدستورية للدولة، حيث ترتبط بممارسة الدعوى العمومية وتطبيق السياسة الجنائية وحماية الحقوق والحريات. ومن هذا المنطلق يطرح تولي السيد هشام بلاوي لهذا المنصب تساؤلات جوهرية حول سبل الارتقاء بالحكامة القضائية وجعل استقلال النيابة العامة ممارسة يومية مسؤولة وفعالة.
ولعل ما يسند هذا التوجه هو الرصيد المهني والأكاديمي المتراكم للسيد هشام بلاوي فهو حاصل على الدكتوراه في الحقوق تخصص القانون الخاص سنة 2013 وتدرج في عدة مسؤوليات قضائية وإدارية وازنة من أبرزها توليه رئاسة ديوان رئيس النيابة العامة ثم الكتابة العامة للمؤسسة منذ سنة 2018. هذا المسار فضلاً عن عضويته في الهيئة المشتركة للتنسيق بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ووزارة العدل ورئاسة النيابة العامة، أسبغ عليه فهماً دقيقاً لآليات التدبير المؤسساتي ومعادلات التنسيق بين مختلف الفاعلين في قطاع العدالة.
إلا أن التحدي الأكبر اليوم يتجاوز حدود المعرفة القانونية المجردة إلى بلورة حكامة شمولية تتعدد أبعادها وتتكامل حلقاتها. فأولى هذه الأبعاد تتعلق بحكامة السياسة الجنائية حيث تفرض الجريمة المعاصرة بأشكالها الرقمية والمالية والمنظمة والعابرة للحدود واقعاً جديداً يتطلب الاستباق والتخصص، شريطة أن يظل ذلك محكوماً بالاحترام الصارم لقرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة فالعدالة الرشيدة هي التي توازن بحزم بين حماية المجتمع وصيانة حقوق الأفراد.
ولا يمكن للسياسة الجنائية أن تحقق أهدافها بمعزل عن حكامة الموارد البشرية والتحول الرقمي. فجودة القرار القضائي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بكفاءة القاضي وعضو النيابة العامة وموظف كتابة الضبط وضابط الشرطة القضائية عبر التكوين المستمر والتقييم الموضوعي وموازاة مع ذلك، تبرز الرقمنة كرافعة أساسية لتقليص الزمن الإجرائي وتسهيل الولوج إلى العدالة على أن تقترن بأمن سيبراني قوي وحماية صارمة للمعطيات الشخصية.
وعلى مستوى الانفتاح المؤسساتي تكتسي حكامة التواصل القضائي أهمية بالغة في بناء الثقة العامة. فالرأي العام يتطلع باستمرار إلى معطيات دقيقة ومهنية تحترم سرية الأبحاث وتمنع الفراغ المعلوماتي من التحول إلى مجال للإشاعات والتأويلات، مما يكرس الشفافية ويقرب القاضي من المواطن.
في المحصلة يجد السيد هشام بلاوي نفسه أمام رهان مؤسساتي متعدد الأبعاد فالمطلوب ليس فقط تدبير الملفات يومياً بل تحويل الاستقلال المؤسساتي للنيابة العامة إلى أداء ناجع ومسؤول. إن نجاح هذه المرحلة سيقاس بمدى القدرة على ترسيخ الأمن القانوني وحماية الحقوق والحريات وجعل سيادة القانون واقعاً ملموساً وثقافة يومية تخدم تطلعات المتقاضين وتعزز ثقتهم في عدالة بلادهم
