جريدة ارض بلادي -هيئة التحرير

بينما تنشغل مراكز الدراسات الدولية بتحليل تداعيات التوتر العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يبدو أن هناك “مختبرات” من نوع آخر في الأسواق الأسبوعية المغربية، تجيد تحويل صدى الانفجارات البعيدة إلى “انفجار” في أسعار أضاحي العيد. لقد تحول “الشناق” اليوم من مجرد وسيط تجاري بسيط إلى “محلل جيوسياسي” ببدلة تقليدية، يقتنص أخبار الأزمات العالمية ليغلف بها جشعه، ويبدأ منذ الآن في نسج سيناريوهات افتراضية تربط بين قرع طبول الحرب في الشرق الأوسط وبين ثمن “السردي” أو “البركي”.
الهدف من هذه الاستراتيجية بات مكشوفاً؛ وهو تطبيع فكرة الغلاء في ذهن المواطن المغربي قبل حلول العيد بأسابيع. يعتمد “الشناقة” على أسلوب “الصدمة الاستباقية”، حيث يروجون لادعاءات مفادها أن اشتعال العالم وإغلاق البحار سيؤديان إلى انقطاع الأعلاف أو ارتفاع تكاليف النقل، وهي حجج تفتقر للمنطق الاقتصادي المباشر، لكنها تنجح في خلق حالة من الاستسلام النفسي لدى المستهلك، تجعله يتقبل أي سعر يُعرض عليه لاحقاً بصفته “أهون الأضرار”.
إن ما يمارسه هؤلاء الوسطاء ليس مجرد تجارة، بل هو عملية “كيّ للوعي الجماعي” عبر صناعة ندرة وهمية؛ حيث يتم إيهام المواطن بأن تكاليف الاستيراد ستتضاعف حتى وإن كان القطيع محلياً، وبأن الأمن الغذائي في خطر، مما يبرر الاحتكار والرفع العشوائي للأثمنة. يجد المواطن المغربي نفسه وسط هذا الضجيج عالقاً بين رغبته الأكيدة في إحياء شعيرة دينية مقدسة، وبين آلة دعائية يغذيها “سماسرة الأزمات” الذين يقتاتون على قلق الناس.
خلاصة القول، إن ربط أسعار الأضاحي بالصراعات الدولية الكبرى ليس إلا “طُعماً” يراد به باطل. فالأضحية متوفرة، والإنتاج المحلي لا يزال هو الميزان الحقيقي للسوق، أما “الشناقة” فهم يخوضون حرباً من نوع آخر؛ حرباً على جيوب المواطنين بسلاح الإشاعة والافتراضات السوداء، مستغلين غياب الوعي بآليات السوق وضعف الرقابة التي تترك المنتج والمستهلك فريسة لهؤلاء الوسطاء.
