جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

لا تُقاس حيوية العمل السياسي بكثرة الشعارات أو ببلاغة الخطابات التي تتبخر بمجرد انتهاء المناسبات، بل إن جوهر الممارسة السياسية الرصينة يكمن في القدرة على تحويل القناعات الشخصية إلى مواقف مؤسساتية ملموسة، وهو ما أثبتته بوضوح القيادية وعضوة المكتب السياسي للحركة الشعبية، حليمة العسالي، في خضم التطورات التي واكبت حراك المحامين. فقد تجاوز حضورها مجرد إبداء الدعم المعنوي لعدالة مطالب هيئة الدفاع، لتنتقل إلى تبني مقاربة عملية تجسد المسؤولية السياسية في أبهى صورها، عبر انخراطها المباشر في دفع عجلة العمل المؤسساتي داخل قبة البرلمان.
لقد تجلى هذا الدور في تحركها الذكي والمسؤول الذي استهدف بناء توافقات داخل الفريق الحركي، وتوحيد الجهود لتفعيل الآليات الدستورية المتاحة، وفي مقدمتها تفعيل المادة 204 من النظام الداخلي لمجلس النواب. فهذه المادة، التي تمنح للفرق النيابية أو لعدد محدد من أعضاء المجلس الحق في طلب مناقشة ثانية لأي نص تشريعي قبل إقراره النهائي، تعد أداة ديمقراطية هامة لضمان جودة التشريع وإعادة فتح باب الحوار التوافقي. ومن خلال مبادرتها بالتواصل وحشد الدعم البرلماني للتوقيع على لائحة طلب هذه المناقشة، أظهرت العسالي وعياً عميقاً بكيفية استثمار المسارات القانونية والدستورية لخدمة القضايا العادلة، بعيداً عن أساليب الضغط التقليدية أو المواقف الانفعالية.

إن ما يميز هذا المسار ليس مجرد اللجوء إلى النصوص القانونية، بل الجرأة في اتخاذ المبادرة والقدرة على تحريك المياه الراكدة داخل مؤسسات القرار. فقد استغلت العسالي مكانتها وخبرتها التراكمية لتأطير الجهود وتعبئة الإرادات السياسية، مما منح قضية المحامين صوتاً مسموعاً داخل المؤسسة التشريعية، في خطوة تعيد الاعتبار للعمل السياسي الذي يضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار. هذا السلوك المؤسساتي الهادئ، والقائم على التنسيق والعمل الدؤوب، يؤكد أن القيادة الحقيقية هي التي تمتلك الرؤية للجمع بين المبدأ والممارسة، والقدرة على تحويل الإيمان بالقضايا إلى أثر واقعي يُعتد به.
ختاماً، يمكن اعتبار هذا التحرك نموذجاً يُحتذى في الممارسة السياسية المسؤولة؛ إذ أثبت أن الالتزام بالقضايا المجتمعية لا يستقيم إلا بالفعل السياسي المنتج. لقد نجحت حليمة العسالي، من خلال هذا الدور، في تقديم درسٍ بليغ حول دور الفاعل السياسي في نصرة القضايا العادلة عبر قنوات المؤسسات، مؤسسةً بذلك نهجاً يرتكز على الحضور الدائم والتدبير الرزين، ليبقى موقفها شاهداً على نزاهة العمل السياسي وإخلاصه في الدفاع عن المبادئ التي يؤمن بها.
