أرض بلادي ـ تحرير الأستاذة نصيرة بنيوال
لم يعد الزمن الإداري كما كان. فبينما كانت عقود بيع عقار واحد تختنق بين رفوف الإدارات، وتتيه بين الأختام والتوقيعات، تعلن الحكومة اليوم عن تحول جذري قد يعيد رسم ملامح القطاع برمته: 48 ساعة فقط لإتمام معاملات البيع ونقل الملكية. رقم لم يكن، إلى وقت قريب، سوى حلم بعيد المنال.
في خطوة وُصفت بالجريئة، تم إطلاق منظومة رقمية متكاملة تروم تسريع وتيرة المعاملات العقارية، في انسجام مع الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي، التي تسعى إلى تقليص البيروقراطية وتعزيز جاذبية مناخ الأعمال. إنها ليست مجرد أداة تقنية، بل إعلان صريح عن نهاية زمن إداري طويل، وبداية مرحلة عنوانها السرعة والشفافية.
من متاهة الورق إلى ضغطة زر
لعقود، ظل المرتفق أسيرا لمساطر معقدة، تتطلب تنقلا مرهقا بين المحافظة العقارية، ومكاتب التوثيق، والمصالح الضريبية. مسار كان يستنزف الوقت والجهد، ويفتح أحيانا الباب أمام اختلالات غير مبررة. اليوم، ومع اعتماد “الرخصة الرقمية” وتعزيز الربط البيني بين المؤسسات، يرتقب أن تتحول هذه الرحلة الشاقة إلى عملية سلسة لا تتجاوز يومين، بما يحد من التدخل البشري ويعزز الشفافية.
السيادة الرقمية كخيار استراتيجي
هذا التحول يتجاوز البعد التقني ليكرس مفهوما أعمق: السيادة الرقمية. فحين تصبح المعطيات مؤمنة ومُدبرة بكفاءة، فإنها تتحول إلى رافعة للتنمية وثقة المواطن. كما أن تقليص آجال المعاملات من شأنه أن ينعش السوق العقارية، ويوفر حماية قانونية أسرع للملاك والمستثمرين، ويمنح الإدارة صورة أكثر نجاعة ومصداقية.
رهانات الواقع وتحديات التنفيذ
غير أن الطموح، مهما كان مشروعا، يظل رهينا بمدى جاهزية الواقع. فالتساؤلات المطروحة اليوم لا تتعلق فقط بالتكنولوجيا، بل أيضا بقدرة البنية التحتية الرقمية على مواكبة هذا التحول في مختلف الأقاليم، ومدى استعداد الفاعلين القانونيين من موثقين وعدول للانخراط الفعلي فيه. كما يظل هاجس حماية المعطيات الشخصية والأمن السيبراني في صلب هذا الورش، باعتباره الضامن الأول لاستمراريته.
وفي المحصلة، فإن هذا الورش الرقمي لا يقاس فقط بسرعة الإنجاز، بل بمدى قدرته على ترسيخ ثقة دائمة بين الإدارة والمواطن، وعلى تجسيد التوجيهات السامية الرامية إلى تحديث المرفق العمومي وجعله في خدمة التنمية الشاملة. وبين طموح التحول وصرامة الواقع، يقف المغرب اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية، عنوانها إدارة ذكية، واقتصاد أكثر دينامية، ومواطن في صلب المعادلة.
فهل تكون 48 ساعة بداية عهد إداري جديد، أم مجرد اختبار أول لإرادة الإصلاح؟
