اليسار المغربي وسؤال الفاعلية: هل انتهت صلاحية الشعارات القديمة؟

جريدة أرض بلادي -هيئة التحرير-

بينما كانت رياح التغيير تهب على العواصم الأوروبية، من باريس التي توجت “الجبهة الشعبية الجديدة” بانتصار انتخابي لافت، إلى مدريد ولندن، يبرز تساؤل جوهري حول مسار اليسار في المغرب. ففي الوقت الذي استثمر فيه اليسار الفرنسي التضامن مع القضية الفلسطينية ورفض حرب الإبادة في غزة كرافعة سياسية أكسبته ثقة أوساط واسعة، يبدو المشهد المحلي غارقاً في مفارقات تدعو للتأمل والنقد الذاتي العميق.

انكفاء عن القضايا الوطنية

يعيش المتتبع للشأن السياسي حالة من الاستغراب أمام غياب قطاع واسع من المحسوبين على التيار اليساري عن الأوجاع الحقيقية للمجتمع المغربي. فبدلاً من ممارسة الدور التعبوي الميداني في قضايا الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، اكتفى الكثيرون بلعب دور “نجوم الندوات” وصناعة الصور في التجمعات المغلقة، حيث يُجتر التنظير السياسي بعيداً عن نبض الشارع ومستقبل الأجيال الصاعدة.

إن التحول من الدفاع عن المبادئ الكبرى بصوت وقلم حر إلى الانشغال بتفاصيل هامشية وصراعات داخلية، جعل البعض يشعر بمرارة اليأس، وكأن أحلام سنوات النضال الطويلة قد تحولت إلى بضاعة “منتهية الصلاحية” لا تجد من يشتريها في سوق الأفكار المعاصرة.

خطاب التخوين وازدواجية المواقف

يعاني الخطاب اليساري الحالي من دوران عقيم حول الذات، حيث استبدلت الحلول العملية والبدائل الواقعية بمصطلحات التخوين والعمالة لكل من يختلف في الرأي. والأدهى من ذلك، هو بروز ظاهرة “الانتهازية السياسية” التي تتقاطع أحياناً مع تيارات توظف الدين لغايات سلطوية، بعيداً عن المفهوم التاريخي للثورة كفعل حضاري يرتقي بحياة الناس.

هذا المأزق الفكري دفع البعض إلى التنكر للماضي، واتخاذ مواقف ضبابية تجاه شعوب تتعرض للعدوان، في تناقض صارخ مع أدبيات اليسار التاريخية التي ناصرت قضايا الشعوب في فلسطين وسوريا ولبنان ضد القوى الإمبريالية.

أزمة الهوية والهروب إلى الأمام

بدلاً من أن يكون اليسار هو الكتلة الواعية التي تشخص الخلل وتطرح المبادرات لتجاوز الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، اختار البعض “الحياد السلبي” أو الصمت المريب، مبررين ذلك بأعذار واهية مثل “الاستبداد” أو “عدم نضج الرأي العام”. هذا التنازل عن الدور الريادي جعل من اليسار مجرد “رصيد مدور” ينتظر ما ستسفر عنه الأحداث ليلون خطابه وفق الموجة السائدة، متخلياً عن واجبه في مواجهة الأقلام المأجورة والقنوات المستلبة.

لحظة المكاشفة: نكون أو لا نكون

لم يعد هناك متسع من الوقت للتسكع الفكري على أرصفة المقاهي أو تبني مواقف الحياد تجاه ما يجري في الوطن، وكأن الأحداث تقع في بلاد نائية. إن اليسار المغربي اليوم أمام لحظة محاكمة عقلية بين خيارين لا ثالث لهما:

إما أن يكون تياراً مبدعاً، مبادراً، وملتزماً بقضايا الشعب والسيادة الوطنية.

وإما أن يتحول إلى “قرص مضغوط” مغبر على رفوف النسيان، لا يجيد سوى التكرار والاجترار.

إن المراجعة الحقيقية تقتضي تحويل الديمقراطية من مجرد صناديق وطوابير انتخابية إلى وعي وسلوك يومي، وإعادة الاعتبار للوطن كرمز للحرية والسيادة، بعيداً عن منطق المساومات والصفقات السياسية الضيقة.